أولًا: لا بد أن يكون العالم ذو علم صحيح، مستمد من الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يكون له عموم اطلاع على أقوال أهل العلم المعتبرين، ولا بد أن يكون مخلصًا لله جل وعلا، لا يرجو في إبلاغ علمه للناس جزاءً ولا شكورًا، إلا رضا الله جل وعلا، وكذلك سنَّ علماؤنا نهجًا واضحًا في التخفف من الدنيا والابتعاد عن إذلال النفس وإهانتها، في سبيل تحصيل فضول العيش، وكانوا لا يستنكفون عن القيام بأي عمل يدوي مهما كان حتى يعيشوا من ورائه، وكانت لهم صفة مهمة، كذلك كانوا ملتصقين بالناس ما كانوا يعيشون في كهوف أو تحت الأرض، أوفي الظلام، أو وراء الكواليس لا يدري عنهم أحد ولا يسمع بهم أحد، بل كانوا يظهرون إلى الناس، ويعايشون مشكلات المجتمع ويفتون في المواقف التي تنزل بالمسلمين، لم يكونوا بمعزل عن الحياة كانوا يخالطون الناس في مساجدهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، ولذلك نجحوا في علاج مشكلات الناس، وكان لهم وزن في المجتمع، ولذا حاول الاستعمار أو الاستخراب عندما دخل بلاد المسلمين، كان من أول أهدافه: عزل العلماء عن الأمة؛ لأنهم شعروا بخطر القضية.
وكذلك من صفات العلماء العمل بالعلم، فإن الله ذم اليهود؛ فقال جلَّ وعلا: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} [الجمعة:5] العالم من اليهود {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5] ولذلك كان علماؤنا يحرصون على العمل بالعلم، فهذا الإمام أحمد كان يحرص على ألا يدع حديثًا في مسنده الذي كان مسندًا ضخمًا بلغت أحاديثه تقريبًا أربعين ألف حديث كان لا يضع حديثًا حتى يعمل به ولو مرة واحدة، وقال عن نفسه: احتجمت فأعطيت الحجام دينارًا؛ لأنه ثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام دينارًا.
وكانت محبتهم للظهور معدومة، ما كانوا يحبون الظهور بمعنى: المراءاة والتباهي بالعلم، إذا غابوا لم يفتقدوا، كانوا بعيدين عن الأضواء، والمقصود بالأضواء ليس مخالطة الناس، وإنما مجتمعات الثناء والتكريم مجتمعات الأعطيات والأموال والهدايا الثمينة كانوا يبتعدون عنها.
وكانوا يتصفون بصحة العقيدة، فإذًا العالم الحق هو الذي يكون صحيح العقيدة، ولا يشترط أن يكون العالم مجتهدًا ملمًا في جميع الأمور؛ بل قد يكون العالم مختصًا بنوع من أنواع العلوم، ومع ذلك يعتبر عالمًا.