كان رحمه الله صاحب ذهنٍ وقاد، ووهبه الله عز وجل ذكاءً عظيمًا، وكان والده قد اكتشف فيه هذا الذكاء منذ صغره، فاعتنى به، وخصص له بعد ذلك لرحلته في طلب العلم موارد أرض أنفقها على ولده، لتكون عونًا له على الرحلة والسفر والتفرغ لطلب العلم.
ومما يدل على ذكائه رحمه الله ونبوغه أنه تعلم علمًا كاملًا في ليلة واحدة، وهو علم العروض، وهو العلم المتعلق بأوزان الشعر، فإنه قال: لما دخلت مصرًا لم يبقَ أحد من أهل العلم إلا لقيني، وامتحنني في العلم الذي يتحقق به، فجاءني يومًا رجل، فسألني عن شيءٍ من العروض، ولم أكن نشطت له قبل ذلك، وتفرغت لفهمه، فقلت له: علي قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض، فإذا كان في غدٍ؛ فصل إلي، وطلبت من صديق لي العروض -كتاب العروض - للخليل بن أحمد، فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضيًا، فتعلمه في ليلة واحدة.
وقد سبق أن ذكرنا أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وصلى بالناس إمامًا وهو ابن ثمان سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين، ولا شك أنه كان حافظًا غاية في الحفظ.
وقال عنه تلميذه: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ ما لا يجهله أحد عرفه، لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة ولا ظهر من كتب المصنفين، وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له، كان يتكلم في حدود علمه عن شيخه رحمه الله تعالى.
وقال أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المفلس الفقيه لما ذكر فضائل العلماء:"والله إني لأظن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره".
أي: أن الأشياء التي نسيها أبو جعفر تعادل الأشياء التي حفظها فلان طيلة حياته.
وقال ثعلب: قرأ علي أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس عنده بمدة طويلة.
أي: أنه قبل أن يشتهر كان قد انتهى من قراءة شعر الشعراء على ثعلب -اللغوي المشهور- فقال أبو العباس ثعلب يومًا: من بقي عندكم يسأل الطلاب؟ -أي: في الجانب الشرقي من النحويين- فقال أحدهم: ما بقي أحد، مات الشيوخ، فقال: حتى خلا جانبكم؟ قلت: نعم، إلا أن يكون الطبري الفقيه، فقال لي: ابن جرير؟ قلت: نعم.
قال: ذاك من حذاق الكوفيين، قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثير.
يقول: هذه الشهادة منه شيء عظيم؛ لأنه كان شديد النفس، شرس الأخلاق، وكان قليل الشهادة لأحد بالحذق في علمه، فإذا شهد لـ أبي جعفر؛ فمعنى ذلك أنه فعلًا مبرز وعظيم في هذا الجانب.
وكان أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني قريبًا من هذا في الشدة وعدم الانبساط، قال أبو جعفر: حضرت باب داره -دار أبي كريب - مع أصحاب الحديث، فاطلع من باب خوخةٍ له - أبو كريب كان من كبار المحدثين لكن لم يكن منبسطًا مع الطلاب- وأصحاب الحديث يتوسلون إليه ليدخلوا؛ ليحدثهم، فقال: أيكم يحفظ ما كتب عني؟ فالتفت بعضهم إلى بعض: من الذي يحفظ ما كتب عن الشيخ في الفترة الماضية؟ ثم نظروا إلي -يقول الطبري - وقالوا: أنت تحفظ ما كتبت عنه؟ قلت: نعم.
فقالوا للشيخ: هذا فسله، فقلت: حدثتنا في كذا بكذا، وفي يوم كذا بكذا، وأخذ أبو كريب في مسألته يسأله عن الدقائق إلى أن عظم في نفسه، فقال له: ادخل إلي، فدخل إليه وعرف قدره على حداثته ومكنه من حديثه، وكان الناس يسمعون به، فيقال: إنه سمع من أبي كريب أكثر من مائة ألف حديث، فـ الطبري رحمه الله ما استعد لهذا الموقف، ولكنه كان يحفظ المرويات.