فهرس الكتاب

الصفحة 5142 من 7040

انطلق إبراهيم الخليل في دعوة قومه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:85 - 87] .

فماذا كان جواب القوم؟ وبأي شيء اصطدم إبراهيم الخليل في أول دعوته؟ لقد اصطدم بجدار عجيب، لقد اصطدم بعقبة كئود، لقد اصطدم بعائق كبير إنه تقليد الآباء والأجداد، فكان الرد من قومه على دعوته: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74] {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:51 - 54] .

واليوم يكون عائق تقليد الآباء والأجداد عائقًا كبيرًا يصد عن ترك العادات والتقاليد المخزية المنافية للشريعة المتينة التي تنتشر في أوساط الناس لجهلهم، فكلما أردت أن تعلم شخصًا شيئًا من أحكام الصلاة ونحو ذلك، قال: وجدت أبي هكذا يصلي، ويستمر الخاطئ على الخطأ، وهكذا لو قلت: هذه عادة قبيحة، هذا جهل، قال: هكذا وجدنا أنفسنا منذ صغرنا وعلى هذا تربينا ونشأنا.

{لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:54] فما معنى إذًا الاستمرار على العادات والتقاليد المخالفة للشريعة والشعور بالعيب والنقص إذا تركها الشخص؟ لا شك أن في ذلك سفاهة عقل وبعدًا عن الحق وتقديمًا للآباء والأجداد على الله ورسوله، وهذا مبدأ في غاية الخطورة، يذوق منه الدعاة الويل اليوم في واقع الناس.

وكان إبراهيم عليه السلام قد أوتي حجة من الله، مؤيدًا بالوحي، ينطق لسانه بالحق والحكمة، فبدأ في مناظرة قومه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75] فهو من المؤمنين والمسلمين، ولم يشرك إبراهيم قط: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} [الأنعام:76] والقوم موجودون حضور وشهود: {رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام:76] فكيف أتخذ ربًا يأفل! {فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:77 - 78] .

كانوا يعبدون الأصنام والأوثان فأراد بهذه الطريقة الذكية أن يستدرجهم بالكوكب والقمر والشمس إلى إقامة الحجة عليهم، والقوم يشاهدون هذه الظاهرة، وقال إبراهيم في نهاية كلامه: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} [الأنعام:79 - 80] خوفوه بالآلهة، خوفوه بالأنداد والأصنام، ولكن إبراهيم يقول: {وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام:80 - 82] لم يخلطوا {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] ، بشرك {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82] .

أقام عليهم الحجة فأفحمهم وأسكتهم، ولذلك قال الله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:83] ولا يجوز الاعتقاد بأي حال من الأحوال أن إبراهيم كان مشركًا أو أنه كان لا يعرف ربه، أو أنه كان محتارًا شاكًا فهذا قول الضلال، فإن إبراهيم كان موحدًا وهذه طريقة للدعوة وللاستدراج وللإقناع والتنزل مع الخصم، ولا تدل بأي حال من الأحوال أبدًا على إن إبراهيم كان مشركًا أو مشككًا أو متحيرًا، فإن الله قال عنه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة:135] وقال العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله: ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يومًا ما: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة:135] ولا في أي وقت من الأوقات، لم يكن إبراهيم عليه السلام من المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت