فهرس الكتاب

الصفحة 6984 من 7040

وقد حج -رحمه الله- حجات كثيرة، وجاور في بيت الله الحرام، وقال عنه تلميذه ابن رجب:"حج مرات كثيرة، وجاور بـ مكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه وقد ذكر رحمه الله في بعض كتبه أشياء مما حصلت له في مكة، فقال في قصة تأليف كتابه مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة قال في مقدمته:"وكان هذا من بعض النزل والتحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقاء نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرضي لنفحاته في بيته، وحوله بكرة وأصيلًا"فكان هذا الكتاب قد ألفه في مكة -رحمه الله تعالى."

وقال عن استشفائه بماء زمزم:"لقد أصابني أيام مقامي بـ مكة أسقامٌ مختلفة، ولا طبيب، ولا أدوية- كما في غيرها من المدن- فكنت أستشفي بالعسل، وماء زمزم، ورأيت فيها من الشفاء أمرًا عجيبًا".

وقال في مدارج السالكين عندما تكلم عن موضوع الرقى: لقد جربت في ذلك من نفسي وغيري أمورًا عجيبةً، ولا سيما في المقام بـ مكة، فإنه كان يعرض لي آلامًا مزعجةً؛ بحيث تكاد تنقطع مني الحركة، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها على محل الألم، فكأنه حصاة تسقط، جربت ذلك مرارًا عديدةً، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم، فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا فأشربه، فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء، والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب الإيمان وصحة اليقين، والله أعلم.

وهذا السفر مع بعده عن الأولاد والوطن، لم يكن يشغله عن طلب العلم والتأليف والنظر، فهو وإن سافر فإنه لا يحمل من الزاد إلا أمرًا يسيرًا، وكانت مكتبته في صدره رحمه الله، ومن العجيب أنه قد ألف كتبًا حال سفره منها: مفتاح دار السعادة، وروضة المحبين، وزاد المعاد، وبدائع الفوائد، وتهذيب سنن أبي داود ألفها في حال السفر، وليس في حال الإقامة، وكان -رحمه الله- مغرمًا بجمع الكتب، فإنك تجد -مثلًا- في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية قد رجع إلى أكثر من مائة كتاب، وفي أحكام أهل الذمة ذكر نحو ثلاثين كتابًا، وكذا في كتابه الروح، وهذا يعني أنه كان عنده مراجع كثيرة، وكان يهتم بكتبه، وقد حصل عنده من الغرام بتحصيل الكتب أمرًا عظيمًا؛ حتى أنه جمع منها ما لم يجمع غيره، وحصل منها ما لم يحصل لغيره؛ حتى كان بعض أولاده من الذين أتوا من بعده يبيعون منها بعد موته دهرًا طويلًا غير ما أبقوه لأنفسهم للإفادة منه، وكذلك كان ابن أخيه قد صار عنده شيئًا من مكتبته، وكان لا يبخل بإعارتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت