وكذلك فإن قوله تعالى في آية أخرى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40] دليل على أن الأرض لو بقيت تحت سلطان الكافرين ما عبد الله، ولهدمت كل أماكن العبادة من الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ ولأجل هذا فإن الله لم يقدر أن الكفار يستولون على الأرض دائمًا وأبدًا، بل إنه عز وجل يداول الأيام بين الناس، والدول تكون مرة لأهل الحق، ومرة لأهل الباطل، وكل ذلك فيه فائدة للمسلمين، فإذا كانت الدولة لأهل الصلاح والغلبة لهم؛ طبقوا شرع الله وفتحوا الفتوحات وجيشوا الجيوش، وحكم الناس بشريعة الله، وعدلوا وأقاموا العدل، واستقرت الأحوال، وظهرت البركة في الأرض، وزال الفقر والجهل، وعندما تكون الغلبة لأهل الباطل ينكشف المنافقون، ويظهر إخلاص المخلصين، ويشتد السعي والحماسة؛ لأن هناك تحديًا يوجب المداومة في الأعمال، والمواصلة عليها، ومضاعفة الجهود لأننا في ضعف، ويتخذ الله شهداء، ويَظهر علم الله في الواقع من الذي يثبت ومن الذي لا يثبت، ولا شك أنه عندما يكون في محنة يزداد الذين آمنوا أجرًا، للصابر فيها أجر خمسين.