والشافعي رحمه الله -وهذه فائدة لطالب العلم مهمة- لم يكن مقتصرًا على فن واحد من فنون العلم، وإنما كان متوسعًا في جميع الفنون، ولذلك كان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح، فيجيء أهل القرآن فيسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه عن معانيه وتفسيره، فإذا ارتفعت الشمس قاموا، واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة، فإذا ارتفع النهار تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو، حتى ينتصف النهار فيذهب إلى منزله.
قارنوا -الآن- بين طريقة السلف في طلب العلم، وبين الطريقة الحديثة التي تجعل الواحد يتخصص في فرع دقيق ولا يدري عن الأشياء الأخرى، فترى الواحد يتخصص في (الطب) مثلًا، ثم إنه لا يدري عن بقية العلوم حتى الدنيوية، وأكثرها عيبًا أن يكون جاهلًا بالأمور الشرعية، وإذا تخصص تخصصًا دقيقًا في شيء نسي الأشياء الأخرى، فالطريقة الحديثة في التخصص من سلبياتها أنها تمنع الشخص عن الإسهام والقراءة في المجالات الأخرى، ويقول: هذا تخصصي ليس لي علاقة بغيره، الهمم ضعفت؛ ولذلك صار الاتجاه العام أن يكون الإنسان موسوعيًا في الطلب صعبًا، إلا على من وفقه الله عز وجل، فقد تجد الشخص مبرزًا في الحديث لكنه جاهل في التفسير والفقه، وقد تجد آخر عنده علم بالفقه ومتوسع فيه، ولكن عنده جهل عجيب بالحديث، وقد يستشهد بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
لكن طريقة السلف في طلب العلم كانت طريقة موسوعية، فلم يكن عندهم تخصص ينسيهم بقية مجالات العلم وفروعه، حتى أن بعض أهل العلم كانوا يرون بعض اللغويين في مجلس الشافعي، يقولون لهم: أنتم لستم بطلبة علم ولا بأهل علم فلماذا تأتون؟ يقولون: نتعلم منه اللغة؛ لأن الشافعي رحمه الله كان يجلس المجالس الطويلة جدًا، لا يسمع منه لحن واحد أو خطأ.