فهرس الكتاب

الصفحة 2224 من 7040

بقي الخطيب طيب النفس قرير العين بما بلغت أمانيه التي استجابها الله له يملي بجامع المنصور، ويصنف ويهذب، إلى أن حدثت فتنة البساسير، وهذا انقلاب خطير جدًا صارع الخلافة العباسية السنية من قبل هذا البساسير الرافضي الباطني ومعه عددٌ آخر من الباطنية، ومعهم من الرعاع والأشرار وقطاع الطرق والمجرمين، بحيث أنهم سيطروا على مدينة بغداد فعلًا، واستطار شر هذه الفتنة وكاد الخطيب رحمه الله أن يُقتل فيها، لكنه سارع بالخروج من بغداد متخفيًا إلى دمشق وهاجر منها وقد صارت موطن كفرٍ بما حكم به ذلك الرافضي الباطني الخبيث، وخلع خليفة المسلمين، وتُتبع أهل العلم والفضل، وقُتل من أهل السنة وعلمائهم خلقٌ كثير في تلك الفتنة بأمورٍ شنيعة، وكيفيات بشعة في القتل جدًا، وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى هذه الفتنة في كتاب البداية والنهاية، ووصف البساسير بالخبيث.

لقد استتر الخطيب رحمه الله وخرج من بغداد في شهر صفر سنة (451هـ) مصطحبًا كتبه وتصانيفه قاصدًا دمشق فوصلها سالمًا، واتخذ المئذنة الشرقية من الجامع الأموي مسكنًا له، وبدأ التدريس في المسجد، وصار له حلقة كبيرة يجتمع الناس فيها ويحدثهم، وكان يخرج أيضًا إلى بساتين ويقرأ كتب الأدب هناك، ولعل كتاب التطفيل وحكاية الطفيليين قد حدث في ذلك الجو والظل الوارف، وبينما كان يقرأ من الكتب في دمشق كتاب فضائل الصحابة الأربعة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سمع بذلك بعض الروافض، وكان لهم شوكةٌ؛ حصلت لهم بسبب حكم الفاطميين في مصر، فثاروا على الخطيب وأرادوا قتله، فأجاره أحد الأشراف في ذلك المكان، وكان مسكنه قريبًا من الجامع، فأجاره على أن يخرج من دمشق، فخرج إلى صور، ونفعته الرحلة الأولى التي دخل فيها صور وأقام فيها علاقات مع بعض أهلها، فكان المكان المناسب أن يخرج إلى تلك البلدة، ومن الأسباب التي جعلت هؤلاء يقومون عليه هو صوته -رحمه الله- فقد قال ابن كثير في البداية، عن الخطيب البغدادي: أنه كان جهوري الصوت، يُسمع صوته من أرجاء الجامع كله، فاتفق أن قرأ على الناس في يومٍ من الأيام فضائل العباس فثار عليه الروافض من أتباع الفاطميين وأرادوا قتله، فحصل ما حصل من خروجه إلى صور، وقد خرج في سنة (459هـ) وكان فيها بعض أهل العلم وهاجر إليها لا ليسمع كما كان من قبل وإنما ليُسمِع هو ويملي ويحدث في تلك البلدة، وقد قيض الله له من يُنفق عليه في تلك البلدة ويُعطيه مالًا كثيرًا، فحصل له به اكتفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت