واعلموا -أيها الإخوة- أن الإلقاء موهبة، وكذلك الإلقاء الجيد وليد التدريب، والإنسان قد لا يلقي موضوعًا طويلًا من البداية، أو يلقي موضوعًا صعبًا يحتاج إلى مزيد شرح وإيضاح، أو أنه يلقي خطبة فجأة على مجموعة كبيرة من الناس، لكنه يتدرج في الإلقاء فيلقي على إخوانه شيئًا، ثم قد يلقي كلمة بسيطة في مسجد، ثم يلقي شيئًا في قاعة الدراسة، وبحثًا على الطلاب، ثم ينتقل بعد ذلك في إلقاء خطبة في مسجد على مستوى أوسع ونحو ذلك، ويلقي في وسط أناس لا يعرفهم، هذا بعد أن يكون قد ألقى وسط أناس يعرفهم، لأن الوجوه المألوفة والصداقة مع المستمعين هذا مما يسهل عليك الإلقاء في البداية.
ولذلك أقول: لا بد من التدرج وليس أمر مثل الخطابة أمر سهلًا، بل إن عددًا من الخطباء قد يصاب بأمور صعبة على نفسه، إذا أراد أن يخطب المرة الأولى في خطابة وتسمع أحيانًا عن قصص في هذا كإذا غاب الخطيب واضطر الناس في المسجد إلى الطلب من أحد الموجودين أن يقوم فيخطب، وليس هناك أحد مجهز خطبة، لأن الكل في حسبانهم أن باب المنبر سيفتح ويدخل الخطيب.
ولذلك فإن إلقاء خطبة مفاجئة أمر صعب لا يستطيعه إلا الجرآء الذين عندهم قوة نفس وصبر وتحمل؛ لأن أعين الناظرين إليك وأنت على المنبر كالسهام التي تخترقك.
ولذلك يقال: إنه في مسجد من المساجد تأخر الخطيب فرأوا أحد الموجودين صاحب لحية، وهو في الصفوف المقدمة، فضغطوا عليه: قم فيك الخير والبركة، فقام المسكين متعثرًا مترددًا فصعد الدرجات متثاقلًا، فلما وقف واستدار إليهم فوجد أنه لوحده في المنبر وكل الناس ينظرون إليه، فمن هيبة الموقف أغمي عليه وسقط.
وهناك عدد من الخطباء كما يروى في الكتب يصابون بعملية الحصر ويُرتَج عليهم، يعني: يقفل عليه ويغلق عليه وما يدري ما يتكلم، وما يدري ماذا يقول، وقد يكون بعضهم عنده نوع من الظرافة فيتخلص بها من الموقف المحرج، وفي السابق ما كانوا يكتبون في أوراق ويصعدون وإنما يرتجلون الخطبة ارتجالًا.
صعد روح بن حاتم المنبر فلما رآهم قد فتحوا أسماعهم وشقوا أبصارهم، حصر وأرتج عليه، فقال: نكسوا رءوسكم، وغضوا أبصاركم، فإن أول كل مركب صعب، وإذا يسر الله فتح قفل يُسفر.
وصعد أحد الظلمة -وكان خطيبًا- على المنبر فحمد الله ثم أرتج عليه الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد: ولم يستطع أن يقول شيئًا، فجعل يقول: أما بعد أما بعد وقبالة وجهه رجل أصلع فقال: أما بعد يا أصلع! والله ما غلطني غير صلعتك، فأمر به فضرب أسواطًا عند المنبر، يعني هذه الخطبة.
وخطب آخر فقال: أما بعد أما بعد وجعل لا يدري ماذا يقول: ثم نظر فإذا إنسان ينظر إليه فقال: قاتلك الله! ترى ما أنا فيه وتلمحني ببصرك أيضًا.
وارتج على عبد الله بن عامر بـ البصرة وهو أميرها في خطبة عيد الأضحى -وهذه حالة نفسية، يعني: قد لا يتخيل الشخص حال الخطيب إذا أغلقت دونه الأبواب ولم يجد شيئًا يقوله وهو يرتجل وليس عنده شيء ولا ورقة- ارتج عليه في خطبة عيد الأضحى فمكث ساعة ثم قال: والله لا أجمع عليكم عيًا وبخلًا، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي، يعني الأضاحي على حسابي.
وكان عبد ربه اليشكري أميرًا على المدائن، فصعد المنبر فحمد الله، فارتج عليه فسكت، ثم قال: والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري، ولقد كنت وما في الأيام يوم أحب إلي من يوم الجمعة، فصرت أغتم لها، وما ذلك إلا لخطبتكم هذه.
ودعي رجل ليلقي كلمة في نكاح فحصر، أراد أن يقول ماذا يتكلم؟ ماذا يقول؟ ما وجد شيئًا، فقال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله.
فقالت أم العروس: عجل الله موتك لهذا دعوناك؟! وهذه مسألة الخطابة مسألة تدريب وتعود، والإنسان إذا كان يخشى على نفسه يكتب الخطبة، وهذا -والله المستعان- حال أكثر الخطباء اليوم، يعني نحن الآن فينا من الضعف ما لا نستطيع أن نرتجل ونحفظ النصوص ونتفوه بهذه الكلمات بخطبة متقنة، فيحتاج الإنسان أن يكتب.
وكذلك الملقي تعتريه عيوب، فقد يكون عنده لثغة وهي التردد في الكلام أو قبل كلمة معينة أو قبل بداية الجملة، وقد يكون عنده تأتأة يتردد عند حرف التاء، أو فأفأة يتردد عند حرف الفاء، أو لتغة مثل أن يغير الراء غينًا، لا يستطيع أن ينطق بالراء، أو تمتمة يتردد اللسان في حرف التاء، ورتلة وهي قلب الراء كما قلنا غينًا أو واوًا، فهذا من العيوب، بعضها لها علاجات عند الأطباء النفسيين، وبعضها يحتاج إلى تدريب، أو هو العلاج أكثره تدريب وإن كان التدريب شاقًا.
وقد قيل لرجل كان لديه فطنة وكان يقلب الراء غينًا لا يجيده، قل: أمر الأمير بحفر بئر في قارعة الطريق، فقال: أوعز القائد أن يقلب قليب في الجادة.
القليب هو البئر، والجادة هي قارعة الطريق، فكان بعضهم يتخلص من الحروف التي لا يجيد نطقها بكلمات ليس فيها هذا الحرف، وهذا يحتاج إلى ثروة لغوية، مثل كتاب جواهر الألفاظ وهو كتاب جيد في المترادفات، إحكام صنعة الكلام في البديع والبلاغة أيضًا كتاب مهم، الشاهد أن هناك كتبًا تتكلم عن مثل هذه الأمور التي ذكرناها.
ولا بد أن يتغلب الملقي على العقدة النفسية، خصوصًا في الإلقاء للمرة الأولى، كالارتباك وعدم القدرة على التفكير، والتلعثم، وسرعة النبض، وبعضهم قد يفضل أن يبقى خلف طاولة أو منبر شبه مغلق ولا يستطيع أن يقف في مكان مفتوح ليس أمامه إلا مكبر الصوت.
وينبغي أيضًا على الملقي أن يتجنب العبث بالأزرار أو اللعب بالقلم، أو التشبث بقوة غير طبيعية، أو فرك اليدين، أو حك اللحية المتواصل أو العبث بالشارب، وكثرة تعديل الغترة، وتقليب الأوراق وطيها تقليبًا مزعجًا، لأن هذا يشوش أفكار المستمعين الناظرين إليه.
هذا ما تيسر ذكره من الأمور المعينة على حسن الإلقاء.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله الذين يبذلون النفس والنفيس في مرضاته سبحانه، ونسأله أن يجعل ما أعطانا من القوة والبيان عونًا على طاعته، وألا يجعلنا ممن يستخدمون ما آتاهم من المواهب في الشر والصد عن سبيله.
ونختم بدعاء موسى لما أرسله الله إلى فرعون فقال: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:25 - 28] .
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدورنا، وأن ييسر أمورنا، وأن يرزقنا البيان والحجة، وأن يجعلها عونًا على الدعوة إلى سبيله والله تعالى أعلم.