فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 7040

ومن الثغرات الموجودة في بيوت الدعاة، والتي تؤثر كثيرًا على دعوتهم: قضية الخلافات الزوجية؛ والخلافات الزوجية نارٌ يكتوي بها كثير من الناس، والشخص إذا كان صاحب عمل عادي ربما لا يتأثر كثيرًا لأنه إذا خرج إلى العمل ارتاح من زوجته، وإذا رجع بعد ذلك يدبر أمره، لكن الداعية يدرك خطورة البيت، وما ينبغي أن يكون عليه أهله؛ فإذا دخل في أتون الخلافات الزوجية فإنه سيتأثر وتتأثر دعوته ويتأثر طلبه للعلم؛ كيف يركز في حلقة العلم وبينه وبين زوجته ما قام بين داحس والغبراء؟ كيف سيكون صاحب عطاء في الدعوة إلى الله وهناك مشاتماتٌ وسبابٌ وهجرٌ وقطيعةٌ ومخاصمة بينه وبين زوجته؟ لا شك أن الحزن الذي سيسببه ويخلفه هذا الخلاف سيؤثر في عطائه في الدعوة إلى الله؛ لأن الإنسان عندما ينطلق مرتاحًا بالدعوة وطلب العلم لا شك أنه سيكون مهيأ أكثر؛ ذهنه صاف، نفسه متطلعة ومنفتحة لأجل العطاء والتحصيل، لكن إذا كان مهمومًا بالخلافات يعيش ويكتوي بنارها، ويصطلي بحرها، فكيف إذًا سيكون عطائه؟ وهذه الخلافات قد يكون سببها الداعية نفسه! قد يكون عنده شيء من الاستبداد، قد يكون عنده تحكمٌ ليس فيه حكمة، قد يكون مقصرًا في الحقوق الزوجية، قد يكون عنده إهمال وتفريط مما يثير نقمة زوجته عليه، وبعضهم يغيب غيابًا طويلًا جدا، ً ويهمل حاجات البيت فلا يأتي بما تحتاج إليه الزوجة، بل حتى النفقة يقصر فيها، فيكون باختصار هو السبب.

وقد يجعل الداعية زوجته تعيش في غموض كبير، ويكثر من التوريات عليها فتفقد الثقة به! لأنه لابد من مستوى معين من المصارحة، نعم هو غير ملزم أن يعطيها جميع التفصيلات عن دقائق أموره، لكن لا بد أن يخبرها بأشياء، لا يمكن مثلًا أن يسافر ولا يخبرها أنه مسافر! وقد يرهقها بكثرة العمل أو الضيوف، بشيءٍ فوق المستوى المعقول، ومعاملة الزوجة بهذا الغموض وإخفاء الأشياء باستمرار حتى التي لا ضرر فيها ولا حرج، لا شك أن ذلك سيضايق الزوجة كثيرًا، فإذًا الخلافات الزوجية قد يكون سببها الداعية!.

وبعض الدعاة إلى الله يقرءون في أساليب الدعوة، والحكمة في الدعوة، ويقرءون في مراعاة الأولويات، ويقرءون في الوسائل الناجحة، وقد يكونون ناجحين فعلًا في استخدام هذه الوسائل والأساليب، لكنهم ليسوا بناجحين مطلقًا في سياسة زوجاتهم، يمكن أن يهدي مدعوه هديةً يتألف بها قلبه ثم هو لا يهدي زوجته هدية واحدة! إذًا هذا النجاح على صعيد والفشل على صعيد آخر؛ لا شك أنه يشقي الإنسان، ليس النجاح الذي يشقيه في صعيد الدعوة، لكن الذي يشقيه الفشل على صعيد الحياة الزوجية.

إذًا لا بد من إعطاء الحقوق الزوجية، ولا بد من مصارحة الزوجة بما ليس فيه ضررٌ ولا حرج، لا بد من إشعارها بالاهتمام حتى ولو بالكلام، ولا شك أن المرأة تأنس إذا ما اعترف لها زوجها بتقصيرٍ مثلًا، أو طلب منها السماح في أمرٍ من الأمور، وتنازل عن رأيه في أشياء فتتنازل له بالمقابل عن أشياء كثيرة.

وشيءٌ من الهدية مع شيءٍ من الكلام الطيب والإكرام، وإكرام أهل الزوجة أيضًا، وليس إكرام الزوجة فقط، والمعاملة الحسنة لأهل الزوجة، وتذكرهم في المناسبات؛ لا شك أنه يصلح الأحوال مما يريح الداعية كثيرًا في مهماته، وإذا شعرت الزوجة أنه يشاركها في اهتماماتها، بل ويجعل لها من وقته حلقةً أو درسًا، أو يقرأ معها من كتاب، أو يوقظها لقيام الليل كما في الحديث: (رحم الله رجلًا قام من الليل فأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء) لا شك أن هذا الاهتمام يشعر الزوجة أن زوجها ليس صاحب هوى، ولا صاحب استبداد، وإنما هو إنسان يريد الخير لها فعلًا.

ثم إنه إذا أذن لها بالمباح من اللهو؛ فإنها لا شك ستأنس به أكثر، ألم يأتك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين) .

فهذا الغناء عبارة عن أشعار تنشد بصوتٍ جميل من قبل بنات صغيرات الآن عائشة لما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم كان عمرها تسع سنوات، وكان عليه الصلاة والسلام يدخل لها صويحباتها ليلعبن معها، وكان يجعل لها ألعابًا، وكان يسألها عن الفرس الذي له أجنحة، وكان عندها لعب تتناسب مع سنها، لا شك أن السماح للزوجة بالصويحبات والجواري اللاتي كن معها بدون محرم، لما ظنه أبو بكر محرمًا بين له عليه الصلاة والسلام أنه ليس بمحرم، (قال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) والمزمور يطلق على آلة اللهو المحرم، ويطلق على الصوت الحسن، ولا شك أن المقصود بالرواية هنا الثاني، ولا شك أن الكلام الذي كن ينشدنه ليس فحشًا ولا فجورًا، وإنما هو شيءٌ تقاولت به الأنصار في يوم بعاث، فبين النبي صلى الله عليه وسلم لـ أبي بكر أنه ليس بمنكر وقال: (يا أبا بكر إن لكل قومٍ عيدًا وهذا عيدنا) والترفية عن الزوجة وإتاحة المجال لها في العيد بما يرضي الله عز وجل لا شك أنه أمرٌ مطلوب.

لقد كانت البساطة بينه وبين زوجته عليه الصلاة والسلام عاملًا كبيرًا من عوامل الاستقرار والهناء في الحياة الزوجية، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح) .

وبالرغم مما سبق كله فهل يقال: إن من المطلوب ألا توجد الخلافات أبدًا؟ نقول: هذا محال، فلا بد أن توجد خلافات زوجية، لكن لا بد أن تكون الأوبة سريعة، والخلاف يزول بسرعة، وتتدخل الأطراف التي عندها حكمة في حل الإشكالات.

هل وجد خلافات زوجية على عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا شك في ذلك، وهذا مثال: عن سهل بن سعد قال: (جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيءٌ فغاضبني فخرج فلم يقل عندي -أي: ما نام عندي القيلولة- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسانٍ: انظر أين هو، فجاء فقال: يا رسول الله! هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط ردائه عن شقه وأصابه التراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب) فالخلافات تعالج بسرعة وفي نفس اليوم، وترجع المياه إلى مجاريها، وليس هناك إصرار وعناد، والزوجة تفتح الباب وتمشي وتجلس عند أهلها الأسابيع والشهور وتقول: لا بد أن يأتي لي بربوة، وهو يقف أيضًا عند كبريائه، وهي تقول: لا أتنازل، وأهلها يقولون: لا ترضخي له، وتتسع المسألة وتتشعب، لا يمكن لإنسان في مثل هذه الحالة أن يعيش حياةً دعويةً سعيدة، أو ينطلق انطلاقة جيدة في دعوته وطلبه للعلم وهو يعاني من آثار هذه الخلافات.

إذًا لو حصل خلاف فليعالج بالحكمة وبالحسنى، والمسألة سهلة بعد ذلك -إن شاء الله- إذا وجدت النية الطيبة من الطرفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت