فهرس الكتاب

الصفحة 5548 من 7040

الطبيب الداعية والمخلص لا يحتاج إلى قسم المهنة؛ ليردعه عن الإخلال بوظيفته ومهمته؛ لأن مراقبة الله هي الضمان، لقد جرت العادة منذ عهد أبقراط أن يبدأ الطبيب حياته المهنية بترديد قَسم يلتزم بآدابه في ممارسة الطب، ونحن نعلم أن قضية السلوك المهني لا تحل بقَسم، وإنما الذي يحلها فعلًا هي مراقبة الله عز وجل، فإذا كان القَسم غير شرعي؛ لا يجوز له أن يقسم أصلًا، ولكن نؤكد على أن مراقبة الله (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) هذا هو الضمان الحقيقي لقيام الطبيب بمهمته على الوجه الصحيح.

الطبيب المخلص يعمل لمصلحة المسلمين وإن تعارض ذلك مع مصلحته الشخصية، فمثلًا: الطبيب يسعى لمنع الأمراض، وإن نتج عن ذلك قلة المرضى وبالتالي قلة المراجعين لأصحاب العيادات الخاصة، وشعاره هو: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268] فبعض الأطباء يشعرون بالسرور إذا انتشرت الأمراض في البلد؛ لأن الناس سيراجعونهم ويأخذون الأموال، لكن الطبيب المخلص يشعر بالألم إذا انتشر المرض بين الناس، ولو كان ذلك لا يجر عليهم منافع.

كذلك من الإخلاص ألا ينزلق الطبيب المسلم وراء الغرور المهني عند نجاحه في بعض الأعمال؛ لأن ذلك يحبط الأعمال ويزيل الأجر.

عن أبي رمثة قال: (انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك) أي: خاتم النبوة، خاتم النبوة كان مجموعة عظام على هيئة حلقة بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل فيه أوصاف أخرى (فإني رجل طبيب) طبعًا هذا ما فهم أن هذا خاتم نبوة وليس بعلة ولا مرض، وإنما رأى هذا فقال: أنا طبيب دعني أكشف عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الحكمة والتوضيح: (الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها) حديث صحيح.

لما رأى أبو رمثة خاتم النبوة وكان ناتئًا، فظنه ورم تولد من الفضلات ونحو ذلك، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه من هذا إلى غيره، يعني: أن يقول: ليس هذا علاجٌ بل كلامك يفتقر إلى العلاج، حيث سميت نفسك طبيبًا والله هو الطبيب، وإنما أنت رفيق ترفق بالمريض وتتلطف به، فهذا من الأسلوب الحكيم البديع، وذلك لأن الطبيب الحقيقي هو العالم بحقيقة الداء والدواء والقادر على الصحة والشفاء، والذي يملك ذلك هو الله عز وجل، ففي حالة طلب الشفاء يذكر المسلم نفسه أن الله هو الطبيب المداوي الحقيقي.

وكذلك فإن الطبيب من إخلاصه أنه لا يستغل طبه لامتيازات ومنافع شخصية، كأن يحصل على تخفيضات من المحلات، أو أن يأخذ شيئًا ليس من حقه، أو يعتدي على حق غيره، أو يستغل قضية أن الناس يخافون من الطبيب ويخشونه، أو أنه يقول: إذا عالجتك تنشر إعلانًا في الجريدة فيها دعاية لنفسه، أو تقول: اشكر الدكتور فلانًا كما يفعل بعض الناس، لو جاءت من المريض فذلك من عاجل بشرى المؤمن، لكن أن الطبيب يشترط عليه أنه يشكره خطابيًا أو يكتب في الجريدة، فليس هذا من الإخلاص في شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت