وقال ابن أبي حاتم، هذا الإمام أحمد رحمه الله كان من الأشياء التي اشتهر بها أن يعفو عمن ظلمه، والذين ظلموا الإمام أحمد كثيرون جدًا، وظلمهم ليس بالسهل، وكان ممن ظلمه المعتصم، حتى أنه كان يأتي بالجلاد والإمام أحمد ممدود على الأرض قد علق، ويقول للجلاد: اضرب، ثم يقول: شد قطع الله يدك، يقول للجلاد، فيضربه سوطين بقوة، ثم يأتي الذي بعده يقف الجلادون صفًا يضربون الإمام أحمد، قال أحدهم: لقد ضربت أحمد ثمانين سوطًا لو ضربتها فيلًا لهدته.
الإمام أحمد رحمه الله مع كل هذا الظلم، قال ابن أبي حاتم: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حلٍ يوم فتح عاصمة بابك وظفر به أو في فتح عمورية.
لأن من حسنات المعتصم أنه فتح عمورية، فلما فتح عمورية عفا عنه الإمام أحمد، ولما أمسك بـ بابك، وهذا بابك زعيم الخرمية طائفة من الملاحدة وكان لهم عاصمة وصارت لهم شوكة، لما قاتلهم المعتصم وظفر بهم قال الإمام أحمد: هو في حل من ضربي.
مع أنكم ستسمعون بعد قليل كيف ضربه.
وقال ابن جماعة: سمعته يقول؛ الإمام أحمد: كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعًا -المبتدع لا أحله- حتى يرجع من البدعة.
وقال: وقد جعلت أبا إسحاق المعتصم في حلٍ ورأيت الله يقول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22] وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم يوم القيامة بسببك؟! والناس اليوم حتى من طلبة العلم وبعض الدعاة قد يظلمون، وقد يساء إليهم جدًا، ولكنهم قد يحملون في أنفسهم حقدًا وغلًا، يحملون في أنفسهم أقل شيء سخطًا على من ظلمهم، ولكن المقتدي المتأسي بالإمام أحمد رحمه الله يرى العفو عن الظالم إذا رجع عن ظلمه للناس وعن بدعته، والعفو عند المقدرة من الأشياء التي تؤثر في الظالم جدًا، وتجعله في صفوف الصلحاء، وكثيرٌ من الناس الذين عفا عنهم الإمام أحمد قد تحسنت أحوالهم جدًا.
وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ورعًا غاية الورع، ما أحوجنا إلى الورع في هذا العصر الذي كثرت فيه الشبهات، في الأموال والرواتب، وكثير من الوظائف، وكثير من المدخولات، كثر فيها الحرام وكثرت فيها الشبه، والمأكولات كثرت فيها كثيرًا.
قال بعضهم: لقد حضرت من ورعه شيئًا بـ مكة أنه أرهن سطلًا عند فامي -بائع الثوم- فأخذ منه شيئًا ليقوته -أعطاه السطل رهنًا وطلب شيئًا ليأكله - فجاء يومًا من الأيام فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه الفامي سطلين فقال: انظر أيهما سطلك؟ فقال الإمام أحمد: لا أدري، ثم إن الإمام أحمد قال: أنت في حل منه -لأنه يخشى لو أخذ واحدًا منهما ألا يكون سطله- وما أعطيتك الآن من المال فكاك السطل هو لك، قال الفامي: والله إنه لسطله وإنما أردت أن أمتحنه فيه، ولكن مع ذلك لما أخبره رفض الإمام أحمد أن يأخذه.
وقال: قال أحمد بن محمد الدستوري: ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما طعم فيها، فبعث إلى صديق له فاقترض منه دقيقًا فجهزوه بسرعة، لاحظ الإمام أحمد أن الخبز جهز بسرعة فقال: كيف ذا؟ قالوا: تنور صالح مسجر -ولده صالح كان عنده تنور، وكان التنور هذا ساخن أصلًا، ولذلك نضج الخبز بسرعة- فخبزنا فيه، فقال: ارفعوا، وأمر بسد بابٍ بينه وبين صالح، قال الذهبي: لكون صالح قد أخذ جائزة المتوكل.
وكان قد أعطى أحمد وأولاده، فالإمام كان متورعًا عن المال الذي جاء من المتوكل في يد ولده صالح، حتى أنه ما رضي أن يأكل من الخبز الذي خبز في تنور ولده.