أما مسألة تربية الأولاد التي أشرنا إليها قبل قليل، فيا إخواني مما ينقصنا جدًا -والله- ضياع الجيل، لا توجد اهتمامات ولا متابعة للصلوات، ولا توجد متابعة في حفظ القرآن، في إنقاذهم من الأخلاق السيئة: كالكذب وغيره.
ونأخذ عبرة من حياة امرأة، إنها فاطمة بنت أحمد حمدون الشقيلي كانت من الزاهدات العابدات، لما توفي بعلها ترك لها ثلاثة أولاد: الأول: نحو سبع سنين، والثاني: نحو أربع سنين، وأختهما ولها سنتان، فألزمت ولديها قراءة القرآن وحفظه، وكان الزمان إذ ذلك شديد الأهوال والجوع والقحط والغلاء الذي أفضى ببعض الناس والعياذ بالله إلى قتل أولادهم؛ لأنهم لا يجدون طعامًا يعطونهم إياه، وقد أُكِلَ الأموات جهارًا في شوارع فاس - المغرب - فكانت تجتهد في الكسب، وفي العمل بيديها بما يحصل قوتها وقوتهم، وكان خالها محمد بن خلف الأنصاري يشتري لها كتانًا تغزله ويبيعه لها، ويشتري لها بما زاد قمحًا وشعيرًا تصنع منه خبزةً واحدةً تجعلها في قربة زيت كانت عندها فقط في البيت حتى تروى ثم تخرجها فتقسمها أرباعًا لكل ولد ربع وتأكل هي ربعًا، وعلى ذلك عاشوا تلك المجاعة، وكانت تستيقظ من آخر الليل، فتغزل غزلًا آخر غير الغزل الذي في النهار وهي تذكر الله, وتتركه حتى تجمع منه ما تنسج به حلةً أجرة معلم الأولاد، لأنها تريد أبناءها يحفظون القرآن، وهي مشتغلة في تعليمهما، ومجتهدة في إرشادهما، وراغبة في إصلاحهما، فوفى الله تعالى بقصدها وبحسن نيتها وأجابها إلى مرغوبها وأتم أولادها حفظ القرآن.
من الأهمية بمكان الاعتناء بتربية البنات، فالفتاة التي لا علم لديها، لا يتمكن الإيمان في قلبها، ولا تستطيع أن تربي أولادها كما يجب، وقد اجتهد بعض الدعاة في بعض القرى على وضع منهج لتعليم النساء والفتيات، فلم تمض مدة وجيزة حتى كانت البيوت تحن بالقراءات والتعليم، وصرن يحفزن الرجال على أعمال الخير، وطالما عيرنهم على المظالم، وعلى ما يرتكبون منها.