كانت التربية لطلاب الحلقة حاصلة، يقول عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: دخلت دمشق على كتبة الحديث، فمررت بحلقة قاسم الجوعي، فرأيت نفرًا جلوسًا حوله وهو يتكلم عليهم، فهالني منظره، فتقدمت إليه، فسمعته يقول: اغتنموا من زمانكم خمسًا: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفتقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئًا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئًا لم تعطوا به، وأوصيكم بخمسٍ أيضًا: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مُدحتم لم تفرحوا، وإن ذُممتم لم تجزعوا، وإن كُذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا، فقلت: هذه فائدتي من دمشق، يكفي هذا عن كل الطرق والأسانيد، فكانت هناك تربية على الإخلاص، وتواص؛ فالشيخ يوصي التلاميذ بأن لا يبرزوا ليبتغوا حب الرئاسة، وأن يتطلع إليهم الناس، ويقول: أخملوا ذكركم، ولو حضرتم ولم تعرفوا فذلك أحسن.
وكان الطلاب يؤمرون بالإخلاص؛ وعظ الحسن يومًا في مجلسه، فتنفس رجل، فقال الحسن: إن كان لله شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت، وقال عبد الكريم بن رشيد: كنت في حلقة الحسن، فجعل رجلٌ يبكي وارتفع صوته، فقال الحسن: إن الشيطان ليبكي هذا الآن، يعني: إذا خشعت وحضرك البكاء فاكتم بكاءك، ولا تجعله ظاهرًا يلتفت إليك الناس بهذا الصوت المرتفع.
وكان من سماتهم وعظ أصحاب الحلقة، فعن الأعمش قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه جالسًا بعد الصبح في حلقة، فقال: أنشدُ الله قاطع رحمٍ لما قام عنا فإنا نريد أن ندعو ربنا، وإن أبواب السماء مرتجة دون قاطع الرحم، فهو إذًا يعظ الجلوس يقول: من كان قاطع رحم فلا يجلس معنا، لأننا نريد دعاءً مستجابًا، والدعاء لا يجاب بقاطع الرحم، ومرتجة أي: مغلقة، وقد جاء ذلك أيضًا أو مثله عن أبي هريرة أنه قال: أحرج على كل قاطع رحم إلا قام من عندنا، فلم يقم أحدٌ إلا شابٌ من أقصى الحلقة، فذهب إلى عمته لأنه كان قد صارمها منذ سنين فصالحها، فقالت له عمته: ما جاء بك يا ابن أخي؟ -ما هذا المجيء الغريب؟ - قال: إني جلست إلى أبي هريرة، فقال: أحرج على كل قاطع رحم إلا قام من عندنا، فقالت له عمته: ارجع إلى أبي هريرة واسأله لِمَ ذلك؟ فرجع فأخبره، فأخبره أبو هريرة بمثل ما تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه.
فقد كان في مجالس العلم مواعظ، كان فيها تذكير، الطلاب بالواجبات الشرعية، وليس مجرد حشو معلومات، لقد تغيرت الأمور كثيرًا عما كان عليه الأمر في عهد السلف، فقد كان هناك تربية على الإخلاص، وتذكير بالواجبات، وتواصٍ بالحق، وصارت أجود الحلق اليوم ما فيه كثرة معلومات، والباقي فيه كثير من الهدر وضياع الوقت، وليست القضية -يا إخوان! - معلومات فقط، بل ينبغي أن يكون في هذه الحلق إيمانيات، ومواعظ، وذكر لله، وتواص، وتذكير، فهذه قضايا مهمة جدًا ينبغي أن تكون في الحلقة، ولا يصلح أن تكون حلقًا جافة ليس فيها إلا عبارات تحتاج إلى تفكيك فقط.
إن المسألة التي تبتني عليها الأعمال وتصلح الأحوال، أن يكون ذلك مقترنًا أيضًا بذكر الله والوعظ.
وكان كلام المشايخ من إخلاصهم لا يتأثر بمجيء فلانٍ من الناس كائنًا من كان، وكانت أسرار الحلقة تحفظ، وإذا خولف ذلك حصل التذكير والتنبيه، وهذه قصة فيها عبرة، يقول سعيد بن أبي مروان: كنت جالسًا إلى جنب الحسن، إذ دخل علينا الحجاج من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس، فدخل المسجد على برذونه، فجعل يلتفت في المسجد، فلم ير حلقة أحفل من حلقة الحسن، فتوجه نحوها حتى بلغ قريبًا منها، ثم ثنى وركه، فنزل ومشى نحو الحسن، فلما رآه الحسن متوجهًا إليه تجافى له عن ناحية مجلسه، قال سعيد: وتجافيت له أيضًا عن ناحية مجلسي، حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج، فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه، والحسن يتكلم بكلامٍ له يتكلم به في كل يوم، فما قطع الحسن كلامه، قال سعيد: فقلت في نفسي: لأبلون الحسن اليوم ولأنظرنه؛ هل يحمل الحسنَ جلوسُ الحجاج إليه أن يزيد في كلامه ويتقرب إليه، أو يحمل الحسنَ هيبةُ الحجاج أن ينقص من كلامه؟ فتكلم الحسن كلامًا واحدًا نحوًا مما كان يتكلم به كل يوم، حتى انتهى إلى آخر كلامه، فلما فرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترثٍ به، رفع الحجاج يده فضرب على منكب الحسن، ثم قال: صدق الشيخ وبر، فعليكم بهذه المجالس وأشباهها فاتخذوها حلقًا وعادة، هذا عبد الله بن أبي بعد صلاة الجمعة كان يقوم ويذكر الناس؛ فإنه بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مجالس الذكر رياض الجنة، ولولا ما حملناه من أمر الناس والمسئوليات العظام ما غلبتمونا على هذه المجالس، ثم افتر الحجاج فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته، فلما فرغ طفق فقام، فجاء رجلٌ من أهل الشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج، فقال: عباد الله المسلمين، ألا تعجبون أني رجلٌ شيخٌ كبيرٌ وأغزو، فأكلف فرسًا وبغلًا وفسطاطًا، وأن لي ثلاثمائة درهم من العطاء، ولي سبع بناتٍ من العيال، فشكا من حاله حتى رق الحسن له، ولما فرغ الرجل رفع الحسن رأسه، فقال: ما لهم قاتلهم الله اتخذوا عباد الله خولًا، ومال الله دولًا، وقتلوا الناس على الدينار والدرهم، فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط الهبابة وعلى البغال السباقة، وإذًا أغزا أخاه أغزاه طاويًا راجلًا، فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده، فقام رجلٌ من أهل الشام كان جالسًا إلى الحسن، فسعى به إلى الحجاج -وشاية- فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج، فقالوا: أجب الأمير، فقام الحسن، وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به، فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يبتسم -وقلما رأيته فاغرًا فاه يضحك، إنما كان يتبسم- فأقبل في مجلسه، فعظم الأمانة، وقال: إنما تجالسون بالأمانة كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار، ثم قال الحسن: إني أتيت هذا الرجل فقال: أقصر عليك من لسانك أتحرض علينا الناس قال: فدفعه الله عني.