يقول عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: إن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وقلنا: الصفة مكان في مؤخرة المسجد النبوي، عكس القبلة من جهة الحجرات أو القبر، هذا المكان هو مكان الصفة.
الذي كان يأوي إليه الغرباء الذين لا أهل لهم ولا مأوى، وكانوا فقراء يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يسافر أو يموت أو يقدم ونحو ذلك.
والنبي عليه الصلاة والسلام لمواجهة الوضع الذي فيه أهل الصفة وهم أناس فقراء لا أهل ولا مال لهم، لحل هذه المشكلة ولمواجهة هذا الوضع كان يقول للصحابة: كل واحد يأخذ واحدًا منهم، بحسب قدرته وطعامه:) من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث) وهكذا.
والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (طعام الاثنين يكفي الثلاثة) وفي رواية: (طعام الاثنين يكفي الأربعة) لكن كيف يفهم هذا الحديث؟ أي: الطعام الذي يشبع اثنين يسكت جوع ثلاثة، والطعام الذي يشبع اثنين يسكت جوع أربعة، والطعام الذي يشبع أربعة يسكت جوع ثمانية، وهكذا، فيقول: (من كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس وبسادس) أو كما قال، يزيد واحدًا؛ لأن زيادة واحد لا تضر، تنفع الواحد ولا تضر الأربعة، زيادة الخامس تنفع الخامس، ولا تضر الأربعة، ولا يضيق عليهم.
إذًا: من كان عنده طعام اثنين يأخذ ثالثًا، ومن كان عنده طعام أربعة يأخذ خامسًا، لا يضيق عليه، وأيضًا يحصل المقصود، قال: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة - الصديق رضي الله عنه جاء بثلاثة أشخاص- وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة) ، لماذا قال عن الصديق أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم انطلق؟ لأن المجيء من بُعد، والانطلاق من قُرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيته ملاصق للمسجد، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان خروجه من بيته دخولًا في المسجد، لم يكن هناك بابان، وإنما هو باب واحد، إذا خرج من بيته صار في المسجد تلقائيًا.
لذلك عبر بلفظ المجيء عن الصديق لبعد منزله عن المسجد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم بالانطلاق لقربه منه، وأبو بكر أخذ ثلاثة إلى منزله، وأراد أن يؤثر بطعامه وأن يأكل هؤلاء أضياف النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول عبد الرحمن بن أبي بكر: فهو أنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال امرأتي وخادمي، طبعًا القائل هو الراوي عن عبد الرحمن، كأنه شك، قال: هل يوجد أيضًا في أفراد الأسرة غير أنا وأبي وأمي، هل يوجد أيضًا امرأتي وخادمي؟ وهو قال أيضًا: إن الخادم كان مشتركًا.
نرجع إلى نص القصة، يقول رضي الله تعالى عنه: وخادمي ولا أدري هل قال امرأتي -أي أنه شك هل قال المرأة أم لا- وخادمي من بيتنا وبين بيت أبي بكر، فالخادم هذه خادم مشترك، يقول عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: الخادم بين بيتي وبين بيت أبي، تخدم هنا وتخدم هناك.
وأم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق هي: أم رومان مشهورة بكنيتها، واسمها زينب رضي الله تعالى عنها، كان زوجها الأول الحارث بن سخبرة الأزدي، فلما قدم مكة مات، وخلف منها الطفيل، فتزوجها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فولدت له عبد الرحمن وعائشة.
إذًا: عبد الرحمن وعائشة شقيقان من أبي بكر وأم رومان زوجته، أم رومان أسلمت قديمًا وهاجرت ومعها عائشة، لكن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه تأخر إسلامه وهجرته إلى هدنة الحديبية، فجاء المدينة في سنة سبع للهجرة أو أول سنة ثمان للهجرة، وامرأته أميمة بنت عدي السهمية وهي والدة أكبر أولاده محمد، فإذًا: حفيد الصديق اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، كنية محمد هذا أبو عتيق.
فالآن يقول: أنا وأبي وأمي، وشك الراوي عن عبد الرحمن هل قال وامرأتي، التي هي أميمة، لا يدري هل قال أميمة معهم أم لا، والخادم مشترك.
قال: وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع، فالترتيب أن أبا بكر الصديق لما جاء بالثلاثة إلى منزله، لبث إلى وقت صلاة العشاء، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتعشى عنده، ولكن هذا مخالف لحديث الباب الذي فيه، وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع، أي: إلى منزله.
فالذي حصل أن أبا بكر رضي الله عنه تأخر عند النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار ما تعشى معه وصلى العشاء، ولم يرجع إلى منزله إلا بعدما مضى من الليل قطعة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يؤخر صلاة العشاء.
ثم أنه لما جاء معه بهؤلاء الضيوف، قال لـ عبد الرحمن -ولده- دونك أضيافك، فتضيف رهطًا، استضافهم، وقال لولده عبد الرحمن: دونك أضيافك فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فافرغ من قراهم -أي: من إطعامهم- قبل أن أجيء.