ونذكر هنا بعض الأشياء من الأبحاث الحديثة المتعلقة بالذاكرة، وهي أشياء يسيرة جدًا لأن الجري وراء هذه متعب، وبعض الأبحاث الطبية والنفسية فيها فوائد، ولكن (اسأل مجربًا ولا تسأل طبيبًا) ، فهؤلاء العلماء المجربون قد تكلموا.
من الأشياء الموجودة عند المعاصرين ويستفاد منها: 1/ قالوا: الذاكرة في الإنسان مثل العضلة في الجسم، كلما زدت في تمرينها واعتنيت بها كبرت وتوسعت، وإذا أهملتها تضاءلت وضعفت.
2/ وقالوا: إذا استمر أي شخص في الحفظ والمراجعة بقيت ذاكرته قوية ونشيطة، مادام عقله سليمًا فاعلًا قادرًا على التركيز وإن جاوز الخمسين، أي: يستطيع أن يحفظ وإن جاوز الخمسين مادام مواظبًا على المراجعة والحفظ ومادام عقله موجودًا.
3/ وقالوا: إن الذاكرة عند الكثيرين غير مستغلة، وبإمكان الذاكرة أن تتسع لأعداد خيالية من الجزئيات والمعلومات.
وقالوا: ليست كثرة المعلومات هي التي تشوش الذاكرة، وإنما الطريقة الخاطئة في إدخال المعلومات واستخراجها، وضعف القُدرة على التركيز والتفكير.
4/ وقالوا: إن التكرير كان ولا يزال هو الوسيلة التقليدية للحفظ، ولكن التكرار له قواعد ينبغي الالتزام بها.
من هذه الأشياء، وقد مرت معنا، لكن هم يقولون إنها من تجاربهم واكتشافاتهم: قام أحد العلماء الألمان بتجربة جمع فيها مجموعة وأعطاهم نصًا معينًا في يوم واحد، قال: احفظوه اليوم، فاحتاجوا إلى تكراره ثمان وستين مرة حتى حفظوه، ثم طلب منهم حفظ نص آخر مثل ذلك في الطول والصعوبة على فترة ثلاثة أيام، فاحتاجوا لتكراره أربع وثلاثين مرة فقط، أي: النصف.
فإذا كان عندك شيء تريد أن تحفظه، فكررته مثلًا خمسين مرة إلى أن تحفظه اليوم، ولم تفعل شيئًا في الأيام القادمة، هذا أسرع للنسيان وأصعب للحفظ أيضًا من أن تقرأه في كل يوم عشر مرات لمدة خمسة أيام، أي: نفس عدد مرات التكرار لو جعلتها موزعة على الأيام فهو أحسن في الحفظ وأثبت من أن تجعلها في يوم واحد، ثم لا تفعل شيئًا في الأيام التي بعدها.
5/ وقالوا: العقل كالجسم يتعب عند الاستهلاك الشديد، ويحتاج إلى فترة راحة، ومن النادر أن تتعدى فترة التركيز عند أي شخص ساعة أو ساعة ونصف، وبعد ذلك يتوتر الجهاز العصبي، ويبدأ الذهن في رفض المعلومات التي تصل إليه، فلابد أن يتخلل وقت الحفظ فترات قصيرة من الراحة والاسترخاء، وهم يقولون: الموسيقى، ونحن نقول: تجديد الوضوء، ودخول الخلاء، وشرب شيء من المباحات لا بأس.
6/ وقالوا: كلما ازداد الاهتمام بالموضوع، وأحس الشخص بأهميته كان حفظه أسرع وأشد، وكلما كان كارهًا مرغمًا كان الذهن أسرع في الشرود، ويكون الحفظ أصعب، ولذلك الطلاب الذين يذاكرون لأجل النجاح ويحفظون، الحفظ عندهم صعب، أما طالب العلم الذي همه العلم؛ يحيا لأجل هذا العلم، لطاعة الله، ليعبد الله على بصيرة، ويعلم قدر جلالة الكتاب العزيز، فإن انصرافه لهذا أشد وأفضل وأعلى وأحسن من انصراف صاحب الدنيا إلى كتبه ودراسته الدنيوية بلا شك؛ لأن صاحب العلم يشعر أن العلم الذي عنده أهم بكثير وأجل، ولذلك العلماء حفظوا أشياء لا يستطيع الآن الكيميائي ولا الفيزيائي أن يحفظ مثلهم.
7/ وقالوا كذلك: إذا تخيلت صورًا لما تحفظ يكون حفظك أثبت، وهم يضربون أمثلة، ونحن يمكن أن نقول مثلًا: إذا أراد إنسان أن يحفظ آيات فيها بناء الكعبة، فلو أنه وضع في ذهنه صورتها مثلًا والطائفين حولها، أو البناء كيف يبنى وهو يقرأ ليحفظ، ربما يكون أثبت له، وكذلك لو قرأ نصوصًا في الجهاد فكان يستحضر في ذهنه صورًا للجهاد والجياد والسيوف والطِعَان، فربما تكون أيضًا الصورة مرتبطة بالمقروء، ولذلك من أصعب الأشياء حفظ الأرقام المجردة، لكن لو قلت: خمس صلوات وكذا فربطت الأشياء بالأشياء صار أسهل.
8/ ولذلك عندهم من القواعد في الحفظ: الترتيب والتصنيف، فلو أخذنا مثلًا عشرين أداة من الأدوات وجعلناها مبعثرة، فإذا أردت أن تحفظها جميعًا يكون أصعب من أن لو صنفتها فوضعت مثلًا أدوات الطبخ جانبًا، وقلت: هذه في خانة، وأدوات الكتابة جانبًا، وقلت: هذه في خانة، وما يتعلق باللباس في جانب، وقلت: هذه في خانة، وحفظت كل خانة لوحدها، هذا يكون أحسن.
فإذًا: تصنيف الأشياء وترتيبها يُعين على الحفظ.
وكذلك من الأشياء التي تُستفاد في قضية الترتيب: الترتيب في حفظ القرآن، لو أراد إنسان أن يحفظ سورة البقرة مثلًا، من الأشياء المعينة على الحفظ أن يعرف مواضيع السورة، وأن يعرف ترتيب المواضيع في السورة، فمثلًا: بدأ بذكر المؤمنين، ثم المنافقين، ثم اليهود، ثم خلق آدم، ثم بناء الكعبة، وهكذا، فحفظ ترتيب المواضيع من الأمور المهمة، ولذلك يوجد تفاسير تعتني بذكر مواضيع السورة قبل البداية في تفسير السورة، فمثلًا من كتب علوم القرآن في هذا كتاب البقاعي رحمه الله، وكذلك كتاب الفيروزآبادي بصائر ذوي التمييز، فهذان كتابان فيهما ذكر مواضيع كل سورة.
وكذلك من الكتب الحديثة التي تعتني بهذا كتاب الأستاذ سيد قطب رحمه الله يبين في مقدمة كل سورة ماذا تتناول السورة من المواضيع.
وينبغي أن ننتبه إلى أن النظريات الحديثة تُزهد في الحفظ، وتُركز على الفهم، وتقول: المهم الفهم، وربما يُزهدون في الحفظ، فلا تستمع لهم؛ لأننا نعرف أن الأمر مكون من حفظ وفهم، وهذه طريقة علمائنا رحمهم الله تعالى، فإذا قالوا لك: لا داعي لإشغال الصغار والأولاد بحفظ هذه المقطوعات الطويلة، وهذا مُضر تربويًا، فاعلم أنهم هم المأفونة عقولهم، الذين عاقبة أمرهم إلى الزوال وشأنهم في سِفال، وهذه أفكار ضلال، ولكن هذه الطريقة التي سلكها العلماء وجربوها صاروا بها علماء.
ولذلك دعك من هذه النظريات الحديثة التي تقول: إن حشو أذهان الأطفال بالمعلومات مُضر، والمهم أن الولد يفهم.
لا.
كانوا يحفظونهم المتون ولو فهم الصغير بعد ذلك يستعين بحفظه.