ومن الأسباب التي توصل العبد إلى منزلة العبد الشكور: أن يسجد العبد لله شكرًا عند تجدد النعم، فقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدًا شكرًا له عز وجل) .
إذًا هناك شيء مهم جدًا في الموضوع ألا وهو سجود الشكر، فهو عبادة عظيمة تشترك فيها الأعضاء السبعة، ولما جاء إلى أبي بكر خبر قتل مسيلمة سجد لله شكرًا، ولما عرف علي رضي الله عنه أن ذا الثدية في جيش الخوارج قد وُجد مقتولًا دلالة على أن هؤلاء هم فعلًا الخوارج الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم سجد لله شكرًا.
وكذلك فإن سجود الشكر فيه تعبير عن حمد العبد لربه، فلو قال واحد: نحن دائمًا نعيش في نعم؛ نحن لنا أعين وأبصار وآذان وأيدٍ وأرجل، نحن نتنفس، نحن لنا أصوات، وهناك من عنده سرطان في الحنجرة، هذا حباله الصوتية مشلولة، ونحن نتكلم، وهناك أناس لا يتكلمون، نحن نرفع أيدينا وهناك أناس لا يرفعون أيديهم، نحن نحرك الأصابع وهناك أناس أصابهم حادث فصاروا غير قادرين على تحريك بعض الأصابع؛ هذه كلها نعم، فهل يشرع أن نسجد دائمًا؟
الجوابلا.
لماذا؟ لأننا نتبع السنة؛ فالسنة السجود عند حدوث النعمة، تَجدد نِعمةٍ هذه التي نسجد لها لله، هذه هي السنة، فإن قال قائل: لماذا يشرع السجود عند النعمة المتجددة ولا يشرع السجود عند النعمة المستدامة؟ الجواب: لأن النعمة المتجددة تذكر بالنعمة المستدامة.
ثانيًا: أن النعمة المتجددة تستدعي عبادة متجددة فلذلك كان سجود الشكر.
ثالثًا: إن وقوع النعمة وحدوثها يسبب للشخص نوعًا من فرح النفس وانبساطها فيجر إلى الأشرَ والبطر، افرض أن إنسانًا جاءك، قال: لقد ربحتَ مائة ألف، ماذا يحصل في النفس؟ يحصل الفرح والانبساط، وهو ربما يجر إلى الأشر والبطر، فيأتي سجود الشكر لكي يطامن هذه النفس، ويظهر الذل والخضوع لرب العالمين، لأن السجود عبودية وذل وخضوع، فإذا جاءك خبر: ولد لك ولد فسجدت لله عز وجل انقلب الأشر والبطر الذي يمكن أن يحدث إلى ذل وخضوع وعبودية، وهنا تظهر فائدة من فوائد سجود الشكر.
وأهل الجهل والبطر إذا جاءهم نعمة يصيحون صياحًا من الفرح، وكذلك فإنهم يقعون في أنواع من المعاصي، لكن المسلم إذا تجددت له نعمة سجد شاكرًا لله رب العالمين، والإنسان المسلم لو وقعت به مصيبة فإن تذكره أن هذه المصيبة -وهذه نقطة ذكرناها قبل قليل- هي أخف من الأعظم منها يدفعه إلى حمد الله وشكره، حتى المريض والمبتلى، ولذلك دخل أحد السلف على مريض يعوده فإذا هو يئن، فقال له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم، ولا لهم من يخدمهم، وهكذا.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق عليَّ منها - محمد بن واسع صاحب القرحة رأى أني تأثرت من منظر القرحة- فقال لي: أتدري ماذا لله عليَّ من هذه القرحة من نعمة؟ قال: لم يجعلها في حدقتي وعيني، ولم يجعلها في طرف لساني -أهون أنها صارت في يدي-.
ولذلك لا يوجد صاحب مصيبة تفكر في مصيبته إلا وجد أن فيها نوعًا من النعمة؛ أن الله ما قدر عليه مصيبة أكبر منها؛ فيحمد المؤمن الله على كل حال وعند تجدد الأحوال؛ ولذلك كان من الأدعية التي يقولها المسافر كما ورد في الحديث الصحيح: (سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا، اللهم صاحبنا وأفضل علينا، عائذًا بالله من النار) هذا كان من قوله صلى الله عليه وسلم في السفر، إذا أصبح يقول: (سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا، اللهم صاحبنا) يعني: كن صاحبًا لنا في السفر، وحاميًا، وحافظًا: (اللهم صاحبنا وأفضل علينا -يعني: زدنا من فضلك أقول هذا حال كوني- عائذًا بالله من النار) .
وكذلك قال بعض السلف: يا بن آدم! إن أردت أن تعرف قدر نعم الله عليك فأغمض عينيك لترى كيف يكون وضع الأعمى.
ونعم الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل:18] {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20] فقال السلف: النعم الظاهرة: الإسلام، والنعم الباطنة: أنه سترنا على المعاصي.
فنقارف المعاصي والله سبحانه وتعالى يسترنا وهذه من النعم.
وكان بعض السلف يقول: أنا الصغير الذي ربيتَه فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويتَه فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته -جعلت له دابة تحمله- فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا.
وحقوق الله سبحانه وتعالى على عباده كثيرة جدًا، وكلما زاد فقه العبد زاد شكره لله، وزاد استشعاره بتقصير نفسه، يتفكر في النعم فيجدها كثيرة، ويتفكر في عمله فيجد نفسه مقصرًا جدًا فيزداد طاعة لرب العالمين.
ومن أنواع شكر النعم ما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: إن لله سبحانه وتعالى حقوقًا على العباد ينبغي القيام بشكره، فمنها: الأمر والنهي، والحلال والحرام.
فإذاأمر العبد بشيء فعليه أن يتبعه، وإذا نهاه عن شيء فعليه أن يجتنبه.
وبعض الناس يشكر الله باللسان فقط وينسى الجهاد، يقول ابن القيم: أما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولرسوله ولعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم -يعني: ببال المقصرين- فضلًا عن أن يريدوا فعلها، وقلَّ أن ترى منهم من يَحْمَرُّ وجهه ويمعره لله إذا انتهكت حرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه.
أي: أن بعض الناس يظنون فقط أننا نجتنب المحرمات؛ لا نزني، لا نسكر، لا نغتاب، لا نسرق، لا نقتل، لكن هؤلاء لا يحسبون حساب أن الله أمرهم بالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، مع أن هذه الأشياء من أعظم الأمور المطلوبة من العبد.