ومن الأشياء أيضًا التي نحن في سهو عنها: مسألة المحاسبة التي تنتج العمل، فإن مجرد أن يتذكر الإنسان بعض الأشياء دون أن يكون بعدها للعمل ليس أمرًا مفيدًا بالغاية المطلوبة، ونحن مع كثرة الخلطة ما صار الواحد فينا يجد مكانًا أو مجالًا لمحاسبة نفسه، صرنا في حال الخلطة مع الأصدقاء والأقرباء والزملاء في العمل وفي الدراسة وغيرها، ما عندنا مجال للخلوة بأنفسنا، فالواحد منا يكون مع أصحابه وكان مع أقربائه، أو كان مع أهله، أو كان مع جيرانه، كان مع الناس في الدكاكين، كان في الأسواق، وهذه الخلطة التي تمنع الإنسان من أن يجد لنفسه وقتًا يحاسب نفسه فيها لا شك أنه يخسر بذلك خسرانًا عظيمًا، وكانوا -رحمهم الله- لهم لحظات ساكنة يحاسبون فيها أنفسهم.
قال إبراهيم التيمي: مثلت لنفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أيْ نفس! أيُّ شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا قال: فقلت: فأنت في الأمنية فاعملي.
أنت الآن في الأمنية وهي أنك في الدنيا فاعملي.
وكانت هذه المحاسبة مستمرة عندهم بحيث أنهم -رحمهم الله تعالى- كانوا يذكرون من فضلهم ومن سبقهم، كما مر بعضهم على خباب رضي الله عنه وهو يبني حائطًا له، خباب اكتوى سبع مرات، مما أصابه من العذاب في مكة، اكتوى سبع مرات يعالج نفسه بعد ذلك والله سبحانه وتعالى مد له في الأجل، وجاءت الفتوحات ففتحت عليهم الدنيا، قال قيس: [أتيت خبابًا وهو يبني حائطًا له، فقال: إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئًا، وإنا أصبنا من بعدهم شيئًا لا نجد له موضعًا إلا في التراب] .
هذا المال نبني به شيء نجعله في التراب.
وعن أبي وائل قال: [عدنا خبابًا فقال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد وترك نمرة فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها] مع أنهم كانوا يعملون في الحلال ولا أشغلتهم الدنيا عن طاعة الله، وإنما كانوا إذا نودي للجهاد قاموا وواصلوا الجهاد، مع أنهم قسموا الغنائم في المعركة التي قبلها، وعندهم أشياء كثيرة من الدنيا، لكن الدنيا ما قعدت بهم عن الجهاد في سبيل الله أبدًا.
كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده من تواضعه، لباسه مثل لباس عبيده، ليس له فضل عليهم، فهذا العمل منه يذكر إخوانه الذين سبقوه بالإيمان وأنهم أفضل منه لأنهم ما أخذوا من الدنيا شيئًا.
ولما قدم طعام الإفطار لأحدهم ذكر من مات من إخوانه الذين سبقوه أنهم ما أخذوا شيئًا، فبكى حتى ترك الطعام وقام عنه.
إذًا هذه النفسية التي يحاسب الإنسان بها نفسه ويذكر أن هناك من إخوانه من ذهب وما أخذ شيئًا من الدنيا، فيحصل في نفسه من هذه الأشياء التي تنفعل في نفسه وتعتمل في نفسه ما يجعله يذكر الله عز وجل ويحاسب نفسه على هذه الأموال التي بين يديه، إن هذه النفسية لا تكون إلا وليدة كثرة العبادة وذكر الله والتضحية في سبيل هذا الدين، والتربية على هذا الدين هي التي تنتج هذه النماذج.