إن المسلم الذي يعلم أن الله أحل البيع وحرم الربا، لا يغشى الربا أبدًا، ويفعل البيع عن تراضٍ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبيع محرمًا ولا يبيع بيع جهالة وغرر، وإذا نادى المنادي لصلاة الجمعة امتثل أمر الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] ولا يتشاغل إذا أقيمت صلاة الجماعة، ولا يتشاغل بأي أمر إلا في الخروج إلى الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة فلا يحلُ لأي مسلم أن يفعل أي شيء غير الخروج لصلاة الجماعة، وقد قال الله تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:37 - 38] .
والمسلم لا يبيع أمرًا محرمًا ولا شيئًا يستعان به على معصية الله، كآلات اللهو وغيره؛ لأن ربه نهاه عن ذلك بقوله: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] وكذلك فإن المسلم لا يبيع بيع عينة، فلا يبيع سيارة بخمسين ألفًا مؤجلة مثلًا، ثم يشتريها نقدًا من المشتري بأربعين مثلًا، فتكون القضية أنه أعطاه أربعين ألفًا ليردها إليه خمسين ألفًا وهذه خدعة، فإذا انطلت على الأطفال؛ فإنها لا تنطلي على رب العباد.
وكذلك فإن المسلم لا يذهب إلى جهة يقول: أريد أن أشتري سيارة من معرض أو وكالة فيعطونه شيكًا يسلمه للمعرض، ويأخذ السيارة ثم يقسط قيمتها بزيادة على من أعطاه الثمن، لا يفعل ذلك؛ لأنه يعلم أنه عملٌ محرم، أقرضوه الثمن بهذا الشيك، ثم سدده إليهم بزيادة، وهو يعلم أنه لا بد أن تكون السلعة عند البائع، وأن تكون في حوزته فلا يقبل مثل هذه التحويلات المبنية على الخداع، وهكذا لا يسحب ببطاقات الائتمان على المكشوف بزيادة؛ لأنه يخاف الحرب من الله الذي قال في كتابه العزيز: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة:279] .
فالمسلم يفقه الشروط الشرعية في البيوع، ولا يبيع بيعتين في بيعة، ولا يقول لشخص: أبيعك على أن تأجرني، ولا أؤجرك على أن تشركني في العمل الفلاني، ولا يأخذ فائدة مقابل قرض أبدًا، ولا يقول: أقرضك على أن تزوجني، وكذلك فإنه لا يبخس الناس حقوقهم، ولا يغش ولا يدلس ولا يحلف على الكذب، فلا يخفي عيوب سيارة إذا أراد بيعها، بل يبين كل ما فيها، والمسلم إذا أقرض فإنما يبتغي بعمله وجه الله والدار الآخرة والثواب والأجر من الله عز وجل، لا يريد زيادة ولا منفعة، وإذا أراد فلسان حاله كما قال المؤمنون عند الإطعام: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} [الإنسان:9] إنه يريد بقرضه الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يُقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة) فلو أقرضت عشرة آلاف لشخص ثم استرددتها منه؛ فإنك تكون قد تصدقت بخمسة آلاف.
وهكذا فإن المسلم يبتغي بإقراض المحتاج الأجر الذي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) وكذلك إذا اقترض من شخص اجتهد في رد المال في الوقت إذا حدد له وقتًا.