أيها الإخوة: لابد لكل ناصح من الشرط الأول والأخير: أن يتجرد في نصيحته لله عز وجل، وألا تكون نصيحته ردة فعل، كأن يقول: أنا والله كرهت هذا الإنسان، أو يقول: أنا بيني وبينه كذا، هل هذا يجعلني أن أجرح فيه على سبيل النصيحة؟ حتى لو ذكرت في وجهه قلت: أنت كذا وأنت كذا، لا نصحًا لله ورسوله، ولا قيامًا بحقوق الأخوة وإنما لأني أكرهه وأبغضه، بيني وبينه شيء، فجاءت نصيحتي هنا كردة فعل لما أكنه في قلبي من عداوة وبغضاء لهذا الرجل، هذه ليست نصيحة، فلا بد إذًا من التجرد لله عند النصح، لا أحد معصوم، وكثيرًا ما تكون نصائحنا ردة فعل، أي: أنا ليس ببالي أن أكلم فلانًا عن نقطة معينة.
أو عيب معين فيه، حتى إذا حدثت مشكلة بيني وبينه وسوء تفاهم، فذاك الوقت أُظهر نصائحي وأستعرض النصائح عليه، لماذا أظهرتها الآن؟ لماذا أخفيتها الوقت ذاك كله؟ لأنه صار بيني وبينه سوء تفاهم، فالآن أنشر معايبه وأنصحه، وأكون الناصح الأمين، والمخلص الغيور.
فالدليل على صدق هذا من كذبه، أين كانت هذه الأشياء من قبل؟ هل ظهرت الآن أم أنك متكاسل في النصيحة؟ عندما ظهرت العداوة بدأت الآن تنصح.
كذلك يجب أن يكون الهدف من النصيحة هو تعليم المنصوح وتصويبه، وليس أي شيء آخر كتجريحه أو تحطيم نفسيته، ويجب الابتعاد عن أسلوب الأستاذية في النصيحة والتواضع للمنصوح، بعض الناس عندما ينصح ينصح كأنه شيخ كبير، وذاك أصغر تلميذ عنده، فتراه يتعالى ويتعالم ويتعاظم عليه، ويجلس كأنه شيخ وذاك طالب صغير، والآن يوجه إليه من فوق إلى تحت، فمن كانت هذه نفسيته في النصيحة، فإن أسلوبه يكون فظًا جافًا وغليظًا، وليس فيه رقة، لأنه الآن يتعاظم عليه، فينبغي الابتعاد عن أسلوب الأستاذية -إن صحت التسمية والإطلاق- عند تقديم النصيحة، وإنما تقدمها بتقديم أخ ناصح مشفق رحيم، يريد الخير لأخيه، لا يتعاظم ولا يتعالى ولا يتكبر عليه، ولذلك تجد كثيرًا من المنصوحين لا يقبلون النصيحة؛ لأنه يشعر بأن الناصح متكبر ومتعالٍ ومتعاظم، فهذا يكون سدًا في وجه قبول النصيحة.
كذلك أن يكون الناصح عاملًا بما ينصح، ومن الكلام الحسن في هذا ما ذكره ابن حجر رحمه الله في آخر كتاب الإيمان في صحيح البخاري وهو يشرح كتاب الإيمان، قال ابن حجر رحمه الله: ختم البخاري كتاب الإيمان بباب النصيحة، البخاري لما صنف الصحيح بدأ بالوحي، ثم الإيمان، وآخر شيء في كتاب الإيمان: باب النصيحة وجاء فيها أحاديث.
طريقة التصنيف عند البخاري رحمه الله لها مدلولات، وهذا من عظمة صحيح البخاري.
قال ابن حجر رحمه الله: مشيرًا إلى أنه عمل بمقتضاه - البخاري نفسه عمل بمقتضى النصيحة- كيف؟ بالإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح من السقيم، يعني: البخاري ماذا فعل في هذا؟ صحيح البخاري عبارة عن نصيحة يقدمها البخاري للأمة ينصحهم فيها بالمحافظة على الحديث الصحيح وطرح الحديث السقيم، كما أنه جمع الصحيح في جامعه واستبعد الضعيف والموضوع، انظر كيف الفطنة، وانظر إلى الدقة في ترتيب هذا المصنف العظيم، وكذلك عقب باب النصيحة بكتاب العلم، لما دل عليه حديث النصيحة، أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم، وهذه مسألة مهمة جدًا، يمكن أن يوجد فينا شخص ليس عنده أسلوب، لا يستطيع أن ينصح ماذا يصنع؟ يتعلم كيف ينصح، يسأل ويرى الناصحين كيف ينصحون، وهذا مهم جدًا إذا أردت أن تعرف وتريد أن تكون ناصحًا جيدًا، فانظر إلى الناصحين الناجحين الذين لاقت نصائحهم قبولًا في أوساط الناس، كيف نصحوا؟ وما هي عوامل النجاح عندهم؟ فالنصيحة تعليم.
ومن شروط الناصح: ألا يحتقر أخاه المسلم عند نصحه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) يكفي المسلم من الشر احتقار أخيه المسلم، وكثيرًا من الناصحين تخرج نصائحهم بقالب الاحتقار للشخص الآخر، فالشخص الآخر عندما يشعر أنه محتقر، ومهان وذليل، يرفض النصيحة وقد يطأطئ ويهز رأسه، يعني: أنه جيد، وبعضهم يقول: جزاك الله خيرًا، لماذا؟ نتيجة أسلوب الاحتقار الذي تعرض له.
ولذلك فإنه يجب تجنب تجريح الشخص في النصيحة، هذا كلام مهم، مثل الاستهزاء باسم المنصوح، ما علاقة اسمه بالنصيحة وكونه وقع في اسمه -مثلًا- عيب نتيجة جهل من أبيه أو من جده، ما ذنبه في أن تعيب اسمه أو تعيب شيئًا في شخصيته أو طبائعه، أو سجاياه، أو طريقة كلامه ومشيته، أو شكله، أو ملابسه إلى آخر ذلك؟ هذا خلط، عندما تنتقد هذه الأشياء، أنت تخلط النصيحة بأشياء ليس لها علاقة بالنصيحة، شخص -مثلًا- تريد نصحه في قضية الكذب، فتقول: أنت يا صاحب الأنف الطويل، لماذا تكذب؟ ما علاقه أنفه في عملية الكذب، أو أنت يا أعرج فيك كذا وكذا، هذا يقع كثيرًا وهو استهزاء بكلام المنصوح، أو طريقة مشيته، أو شكله، أو سجاياه وطبائعه، فهذه من الأشياء التي تسبب رفض النصيحة.
كذلك يجب تجنب الكلمات الجارحة التي تخدش كبرياءه وتجرح شعوره، أو أن تستهزئ به وتسخر منه، ويدخل في هذا عدم إطلاق عبارات اليأس، مثل أن تقول لإنسان تنصحه: أنت لا خير فيك، ولا فائدة، أنت لا يفيد النصح معك ونحو هذا يقع كثيرًا، هذه العبارات تثبط الشخص، وتكون ذات مردود سلبي على المنصوح، فتجعله لا يقبل النصيحة.
كذلك أيها الإخوة: عند النصيحة يتنبه إلى الفرق لماذا وقع في الخطأ؟ أنا أريد أن أنصح شخصًا -مثلًا- يحلق لحيته، أرى قبل أن أنصح، هذا الشخص الذي يحلق لحيته هل هو جاهل بالحكم أم أنه عالم بالحكم ومصر عليه؟ وأنظر إلى هذا الذي يطيل ثوبه هل هو جاهل بالحكم أم أنه عالم بالحكم ويصمم ويصر عليه؟ هذه النقطة أهميتها في درجة الشدة أو اللين في النصيحة، عندما تنصح شخصًا جاهل بالحكم يختلف عندما تنصح شخصًا يعلم بالحكم ويعاند ويصر على خلافه، أما إذا عاملت الناس معاملة واحدة، الجاهل مثل المتعلم، والذي يعرف مثل الذي لا يعرف، يكون عندك اختلال في ميزان النصيحة، فينبغي أولًا أن تقول: يا أخي أنت تعلم حكم المسألة الفلانية؟ هل عندك فكرة عن حكم هذا الشيء؟ فهنا يقول لك: والله ما عندي معرفة، لكن عندي كذا، فهنا يفرق، أما لو كان معاندًا فعند ذلك تذكره بآيات فيها مثلًا الشدة والعذاب وعاقبة هؤلاء المعاندين إلى آخره، أما أن تذكر له آيات المعاندين -مثلًا- والأحاديث التي فيها التخويف والتهديد لإنسان ما بدا منه عناد ولا بدا منه شيء وإنما هو رجل جاهل يجهل الحكم فهذا خطأ، فلذلك ينبغي وضع هذه النقطة أمام أذهاننا ونحن ننصح الناس، وهذا من الأهمية بمكان.
كذلك أيها الإخوة: عدم المبالغة بالنصيحة، أحيانًا يضخم الخطأ، يريد أن ينصح شخصًا في شيء فيضخم الشيء، فتسمعه يقول: هذه كبيرة من الكبائر، وهذه مسألة خطيرة، وأنت ذهبت في ستين داهية، هذا التضخيم أو التهويل له أثر سيئ سلبي؛ لأن الشخص ذاك، إذا نصحه أي ناصح بعدها حتى لو كانت خطيرة أو عظيمة، وهذا كل شيء قال: خطيرة وعظيمة، فإذًا يقول: هذا والله كل شيء عنده خطير وعظيم، أي: كل الأشياء مثل بعض ولا يبالي، وقد يؤدي إلى عدم الاعتراف بالخطأ؛ لأنه فعلًا لا يرى أن الخطأ عظيم، فأنت عندنا تنصحه وتعظم وتكبر الخطأ هو شيء صغير، فيقول: هذا رجل ما عنده ميزان لتقييم الأمور، فينبغي أن يكون النصح على قدر الخطأ، أما تكبير الخطأ وتهويل فهو إما أن يؤدي إلى رفض النصيحة، أو عدم الاعتراف بالناصح، وعدم أخذ كلامه مأخذ الجد، أو تدفع على التمرد على الناصح وعدم الاستجابة له، أو التقاعس أي: كل شيء خطير فيتقاعس عن التغيير وهكذا.
كذلك ينبغي للناصح أن يتوخى الأوقات المناسبة للنصيحة، فلا ينصح شخصًا وهو غضبان، أو جيعان أو نحو ذلك ينبغي أن يتوخى الأوقات المناسبة.