فهرس الكتاب

الصفحة 5945 من 7040

ننتقل الآن إلى موقف آخر هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأرسى دعائم المجتمع الإسلامي، وكان بعض الصحابة يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فيأذن لهم، ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: والظاهر أن العمرة كانت مباحة للصحابة حتى لو لم يعتمر معهم الرسول دون الحج فإنهم منعوا من الحج، هكذا يقول ابن حجر رحمه الله في فتح الباري، ففي مرة من المرات استأذن سعد بن معاذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب للعمرة في مكة، وهي لا زالت خاضعة للمشركين.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وساق بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنه حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: أنه كان صديقًا لـ أمية بن خلف، أمية بن خلف كان مشركًا في الجاهلية كان سعد بن معاذ سيدًا في المدينة في يثرب كان صديقًا لسيد من سادات مكة وهو أمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بـ المدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مر بـ مكة نزل على أمية، وكان هذا في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بـ مكة، فقال لـ أمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريباَ من نصف النهار، ونصف النهار هو أهدأ الأوقات التي يقيل فيها الناس، فلقيهما أبو جهل لعنه الله، فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بـ مكة آمنًا، وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، أبو جهل لعنه الله يقول لـ سعد بن معاذ.

الآن سعد بن معاذ وحيد في مكة، والرجل المسلم المتميز بعقيدته في وسط قوم مشركين لا بد أن يخاف على نفسه، خصوصًا أمام هذا الوعيد الذي يأتي من عظيم قريش أبو جهل، لو كان الواحد منا يا ترى في ذلك الموقف ماذا كان سيرد على أبي جهل؟ أو هل كان سيرد عليه أصلًا، أو يبادر بسلوك سبيل الهزيمة، ويعتبرها غنيمة؟ فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لو منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك طريقك إلى الشام، وسأغير على قوافلك وأنت ذاهب إلى التجارة، فقال له أمية وقد أشفق: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي، قال سعد: دعنا عنك يا أمية! فوالله لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه قاتلك) .

أيها الإخوة: إن قوة الشخصية والجرأة من العوامل التي توفرت في شخصيات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي نفتقدها اليوم في شخصيات المسلمين، كثير من المسلمين اليوم يفتقدون الجرأة في عرض الدعوة، بل إنهم يشعرون بالذل والخزي وهم يواجهون بأدنى كلمات الهجوم من الأعداء، وقد ينكصون على أعقابهم فلا يصمدون أمام الهجوم الجاهل، أما سعد بن معاذ فقد كان جريئًا لا تأخذه في الله لومة لائم، عندما يدخل الإسلام في النفس فإنه يغيرها فتتغير الموازين، كان أبو جهل عند سعد بن معاذ قبل أن يسلم رجل له شأن عظيم محترم، أما وقد دخل سعد في الإسلام فقد أصبح هذا الكافر الحقير لا يسوى شيئًا.

لذلك قام سعد في وجهه فهدده وتوعده بأشد مما تكلم به أبو جهل، ولذلك سعد رضي الله عنه لم يرض أن يسب إخوانه المسلمين أمامه ويقول أبو جهل عنهم: إنهم صباة خرجوا عن الدين، بل رد على أبي جهل مقولته ودافع عن إخوانه، كثير من المسلمين اليوم لا يدافعون عن إخوانهم إذا اغتيبوا في مجلس، فكيف سيدافعون عنهم لو وجهت إليهم سهام النقد والتجريح من أعداء الإسلام الأقوياء؟ إن قوة الشخصية لها دور كبير في إقناع الناس بالإسلام قوة الشخصية تنشأ من الإيمان الذي يقذفه الله في النفوس، لا تنشأ من الفراغ لا تنشأ من لا شيء، إنها تنشأ من الإيمان الذي يغير الشخصيات، ولذلك يكون التغير الحاصل في شخصية كل إنسان هداه الله بحسب مقدار الإيمان الذي دخل في نفسه، فمن الناس من تجده قويًا في عرض دعوته، جريئًا مقدامًا، ومن الناس من تجده يعرض الدعوة بشكل هزيل كأنه يربط على أكتاف الناس، ويقول لهم: أرجوكم وأتوسل إليكم أن تقبلوا بهذا الذي أقول، لم يكن الصحابة يدعون الناس هكذا، ولسنا نقصد بهذا الكلام أن يقوم الإنسان يسب ويشتم ويرغي ويزبد على الناس ويرفع صوته مهددًا ومتوعدًا، كلا! ليست هذه هي الجرأة في الدعوة إلى الله، لا بد أن توافق الجرأة حكمة، أما أن يقوم الإنسان يلعلع في صوته، ويسب، ويلعن، فليست هذه بدعوة إلى الله، بل إن هذه من أكبر وسائل التنفير والصد عن سبيل الله، فأربأ بنفسي وبإخواني عن اتخاذ سبيل الشدة والعنف مع الناس؛ فإنها منفرة وسلبية جدًا، وهناك فرق بينها وبين الجرأة في عرض الدعوة والقوة والوضوح في تكليم الناس عن مبادئ الإسلام، وهذا الفرق لا يعيه إلا رجل آمن بالله وصدق المرسلين وانتهج سبيل المؤمنين، ثم إن سعد بن معاذ ما اكتفى بهذا، بل جلس يخذل في أمية بن خلف، ويقول له خبرًا سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: يا أمية! فوالله لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنه قاتلك) فقال أمية: بـ مكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان! ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنه قاتلي، فقلت له: بـ مكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية: والله لا أخرج من مكة أبدًا، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس وأخرج أمية بالقوة بعد أن أحرجه، فخرج أمية وهو يقول: أخرج معهم مسافة وأرجع، فمازال أبو جهل يوصل أمية من منزل إلى منزل حتى أهلك الله أمية في معركة بدر، فقتلته أسياف المسلمين مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت