لا بد إذا كان الإنسان يقرأ من ورقة أن يضبط بالشكل لضعفنا في اللغة، يعني: يحسن أن يضبط بالشكل ما يقرأ، ويوضح الحروف، ولا يسرع في الكتابة؛ لأنك إذا كتبت ولو لنفسك بسرعة دون توضيح فقد تقرأ الخاء غينًا، أو الحاء هاء ويحدث لها تصحيف، أو تكون النقطة بعيدة عن الحرف فتصعد إلى الحاء في سطر علوي فتصيرها جيمًا، أو تنزل على الحاء السفلية فتصيرها خاءً، وينبغي وضع الشكل فوق الحرف.
ثم تقطيع العبارات، والصمت المناسب بين الكلمات أو الجمل يؤدي إلى فرز المعاني ومنع اختلاطها، والاستمرار بالكلام على نسق واحد بالتوازن دون توقف قد يتعب المعطي والمتلقي ولا بد من راحة، ودمج العبارات بعضها ببعض من غير إعطاء فواصل زمنية صامتة يؤدي إلى اختلاط الأمر على السامع.
ولذلك الوقت مهم في تبيين المعنى، الوقت في استراحة المتكلم بأخذ النفس والمتلقي في السماع، ولماذا كان هناك الوقف في القرآن؟ هذا من العلوم المهمة، وقد صنف العلماء فيه مصنفات مهمة فمثلًا: ينبغي أن يعلم أن هناك وقفًا ممنوعًا محرمًا فلا يجوز أن يقول الإنسان: (فاعلم أنه لا إله) ويقف، أو يقول: (إن الله لا يستحي) ويقف، فهذا محرم، وقد يكون وقفًا قبيحًا يغير المعنى أيضًا كما لو أنه قرأ {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ} [يوسف:17] ويقف، فيكون ما قاله أن يوسف أكل المتاع، وهناك وقف تام، ووقف حسن، ووقف جائز، ويكون وقفًا صحيحًا والوصل أولى، أو الوصل صحيحًا والوقف أولى، فهذا من علوم القرآن.
وخلال الإلقاء هناك وقفات صغيرة من غير أخذ شهيق للتفريق بين الكلمات والمقاطع في الكلمة أحيانًا، مثل حرف اللين مع حرف صحيح، أو وقفة متوسطة للتفريق بين جملة وأخرى، أو للتركيز على جملة مهمة أو كلمة، أو وقفة طويلة يأخذ فيها الشهيق تستعمل للتفريق بين المعاني والأفكار وغالبًا تكون في نهاية الفقرة أو الجملة الكاملة المعنى، ويجب ألا تكون طويلة إلى الحد الذي يؤدي إلى اتساع سلسلة الأخطاء.
ويمكن للملقي من ورقة أن يشير إلى أماكن الوقفات المناسبة وينظمها سلفًا بالتقطيع والنقاط والفواصل، ولا بد من إجادة مكان أخذ النفس حتى لا تجهض الكلمة أو الجملة عند الإلقاء، وكذلك أن يتعلم الملقي مخارج الحروف، فما الذي يفرق بين الذال والضاد، والذل والظاء، والكاف والقاف، ما هو الفرق الرئيسي بين هذه الأحرف، التفخيم والترقيق، الدال إذا فختها صارت ضادًا، والضاد إذا رققتها صارت ظاء، والطاء إذا رققتها صارت تاء، أما ترى أهل الدلع يقولون: (أكلنا بتاتة) ؟.
فالشاهد: أن عدم معرفة صفات الحروف يسبب انقلاب المعنى، لأنك إذا غيرت الحرف انقلب المعنى، وكذلك التفريق أثناء الإلقاء بين أنماط الجمل، فلست تلفظ الجملة الإثباتية كما تلفظ الجملة الاستفهامية، كما تلفظ الجملة المنفية.
حديث فيه جملة استفهامية: (أتدرون ما الغيبة؟) حديث فيه جملة منفية (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) والجملة الإثباتية على سبيل المثال: (إن الصدق يهدي إلى الجنة) لاحظ هذه الجملة كل واحدة لها طريقة في الإلقاء (إن الصدق يهدي إلى الجنة) (أتدرون ما الغيبة؟) لا والله، لا والذي نفسي بيده.
فإذًا كل واحدة من الجمل وكل نوع له طريقة، كما أن النبرة في الكلام ستختلف لو كان الموضوع فيه فرح أو حزن مثلًا.
وكذلك لا بد من التفريق بين إلقاء الداعية، أو إلقاء الخطيب، أو طالب العلم، كما يكون الفرق بين إلقاء هؤلاء وإلقاء الممثل والمسرحي، وبعضهم يدرسون فنون الإلقاء في التمثيل والمسرح، وفيها تكلف وسخافة، ولكن المقصود منها الإشارة إلى الفرق بين حال الخطيب وهو يخطب، أو حال الشخص وهو يلقي درسًا، أو وهو يلقي موعظةً فكل واحدة لها نبرة.
وكذلك لا بد من توضيح الاصطلاحات التي تعرض أثناء الموضوع، والكلمات الغريبة، فيبين المعنى، حتى لا تتشوش الأفكار، وينبغي منع المقاطعات المشوشة، ومن عيوبنا في المجالس إذا ألقينا الموضوعات أننا ننشغل بصب الشاي، وتقديم الضيافة، ويحجب نظر المتكلم عن بعض الناس.
فنقول: إذا أردتم أن تكونوا جادين في إلقاء الموضوعات في جلساتكم فعليكم بألا تشوشوها بهذه الضيافات، اجعلوا لها وقتًا خاصًا، استراحة أثناء الموضوع يؤتى فيها بالشاي مثلًا وغيره، هذه مجالس السلف لما كانوا يتكلمون ويلقون فيها كان الناس فيها كأن على رءوسهم الطير، ولو ألقيت إبرة لسمع صوتها.