كان الطبري رحمه الله فيه زهدٌ وورع وخشوع وأمانة، وصدق نية، وأفعاله كانت حقائق، وكان عازفًا عن الدنيا، تاركًا لها ولأهلها، مترفعًا عن التماسها كما تجد ذلك في كتابه آداب النفوس.
ومن زهده وعدم جريه وراء الدنيا وتعلقه بها، يقول صاحبه الفرغاني: أرسل الوزير العباس بن الحسن إلى ابن جرير يقول: قد أحببت أن أنظر في الفقه، أي: أريد كتابًا يناسبني في الفقه، وسأله أن يعمل له مختصرًا، فعمل له أبو جعفر بن جرير كتاب الخفيف، وأنفذه إلى الوزير، فوجه إليه بألف دينار، والدينار أربع غرامات وربع من الذهب، اضربها الآن في خمسين ريالًا تقريبًا للغرام، يساوي مائتين وخمسة وعشرين ألف ريال، فلم يقبلها، فقيل له: تصدق بها، فلم يفعل.
وأراد الخليفة المقتدر أن يكتب كتابًا في الوقف، تكون شروطه متفق عليها بين العلماء -الوقف فيه اختلافات كثيرة بين الفقهاء والمذاهب الأربعة، فأراد هذا الخليفة عمل كتاب فيه شروط الوقف، تجمع فيها ما اتفقت عليه المذاهب- فقيل للخليفة: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري لسعة علمه بأقوال الفقهاء، فطلب منه ذلك، فكتب له كتابًا في الموضوع، فاستدعاه الخليفة إليه وقرب منزلته عنده، وقال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي، قال: لا بد من أن تسألني حاجة أو شيئًا، فقال: أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا المتسولين يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع؛ لأن ذلك يشوش على المسلمين، ويجعل أمر المسجد مضطربًا، ودخول المتسولين إلى مقصورة الجامع يجعل الأمر مشوشًا ويطغى طلب هؤلاء للدنيا في مكان العبادة.
وقال أبو بكر بن كامل قال لنا أبو جعفر: لما وردت مصر في سنة (256هـ) نزلت على الربيع بن سليمان الفقيه، فأمر من يأخذ لي دارًا قريبًا منه، وجاءني أصحابه -أصحاب الربيع - وقالوا: تحتاج إلى قصرية -أي: أنت الآن نزلت في بلد، ماذا تحتاج من الأثاث في المنزل حتى تكون مرتاحًا وتسكن في البيت- تحتاج إلى قصرية، وزير، وحمارين، وسدة، فقلت: أما القصرية فإنه لا ولد لي لأنه لم يكن متزوجًا رحمه الله- وما حللت سراويلي على حلال ولا حرام قط، وأما الزير فمن الملاهي، وليس هذا من شأني، وأما الحماران، فإن أبي وهب لي بضاعة أستعين بها في طلب العلم، فإذا صرفتها في ثمن حمارين؛ فبأي شيء أطلب العلم! قال: فتبسم، فقلت: إلى كم يحتاج هذا؟ فقالوا: يحتاج إلى درهمين وثلثين -أي: ثمن هذا المتاع- فأخذوا ذلك مني، وعلمت أنها أشياء متفقة، وجاءوني بإجانة -إناء تغسل فيه الثياب- وحب -وعاء ماء وهو المسمى بالزير- وأربع خشبات قد شدوا وسطها بشريط، وقالوا: الزير للماء، والقصرية للخبز، والحماران والسدة تنام عليها من البراغيث، فنفعني ذلك وقد كثرت البراغيث، فكنت إذا جئت؛ نزعت ثيابي وعلقتها على حبل قد شددته واتزرت، وصعدت إلى السدة خوفًا منها -من هذه البراغيث- فالرجل يسافر في طلب العلم، ويتحمل النفقات، وينزل في أماكن قد لا تناسب ولكن لطلب العلم.
وقال الفرغاني: رحل ابن جرير من مدينة آمل -اسم لمدينة في طبرستان التي ينسب إليها الطبري أو الآملي - لما ترعرع وأذن له أبوه بالسفر، وكان طول حياته ينفذ إليه بالشيء بعد الشيء -يرسل له نفقات- فأين ما كان الولد مسافرًا يرسل إليه بنفقة ليستعين بها على الرحلة، فسمعت أبا جعفر الطبري يقول: أبطأت عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن فتقت كمي القميص، فبعتهما.
لكي يطلب العلم.