فهرس الكتاب

الصفحة 6418 من 7040

يقول إبراهيم الحربي رحمه الله: يقول الناس أحمد بن حنبل بالتوهم، والله ما أجد لأحد من التابعين عليه مزية، ولا أعرف أحدًا يقدر قدره، ولقد صحبته عشرين سنة صيفًا وشتاءً، وحرًا وبردًا، وليلًا ونهارًا، فما لقيته لقاة في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس.

هذا شيء عظيم، وهذه فعلًا قدوة عظيمة أن الإمام أحمد رحمه الله كان يزيد يوميًا على ما هو عليه، والواحد منا الآن قد يزيد في يوم وينقص في أيام، وقد يرتفع في أيام ويتدهور حاله في أيام أخرى، ولكن أن تجد الرجل يزيد يومًا بعد يوم معنى هذا أن الرجل يربي نفسه تربية عظيمة، ولذلك ينبغي أن يضع الواحد منا نفسه تحت المجهر، وأن يضع لنفسه خطة معينة بحيث أنه يرتقي يوميًا إذا استطاع وقد لا يستطيع، لكن يحاول أن يكون خط سيره إلى الأعلى، وليس أن يتدهور ويتقلب ويتذبذب كما هو واقع الكثيرين، وهذا شيء فعلًا قدوة أن الإمام أحمد يوميًا يزيد عن الأيام السابقة.

وقال علي بن المديني رحمه الله: إن الله عز وجل أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: ب أبي بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، وقد كان ل أبي بكر الصديق أصحاب وأعوان، وأحمد ليس له أعوان ولا أصحاب.

لما وقعت المحنة ما وقف إلى النهاية إلا الإمام أحمد رحمه الله فقط، هناك من وقفوا وقتلوا، ومن وقفوا ثم انتكسوا، وهناك من تخاذلوا أصلًا عن الوقوف، وهناك من تراجعوا وغيروا عقيدتهم، والذي ثبت إلى النهاية هو الإمام أحمد فقط في محنة خلق القرآن، قال الشاعر:

أضحى ابن حنبل محنة مرضية وبحب أحمد يعرف المتنسك

وإذا رأيت ل أحمد متنقصًا فاعلم بأن ستوره ستهتك

وعن الحسين الكرابيسي قال: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل -يعني بسوء- مثل قوم يجيئون إلى أبي قبيس -وهو جبل في مكة - يريدون أن يهدموه بنعالهم.

وكان أحمد رحمه الله عظيم الشأن، رأسًا في الحديث وفي الفقه وفي التألف، أثنى عليه خلق من خصومه فما الظن بإخوانه وأقرانه، وكان مهيبًا في ذات الله حتى قال أبو عبيد: ما هبت أحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل.

حتى إذا جاء يسأله يهاب، يخاف، ألقى الله عليه هيبة الإسلام.

وعن علي بن شعيب قال: لولا أن أحمد قام بهذا الشأن لكان عارًا علينا أن قومًا سبكوا فلم يخرج منهم أحد.

يعني: حتى موقف الإمام أحمد رحمه الله رفع رأس العلماء كلهم، الحمد لله أنه خرج منا واحد.

وقال أبو عبيد عن الإمام أحمد: ذاك رجل من عمال الله، نشر الله رداء عمله، وذخر له عنده الزلفى، أما تراه محبوبًا مألوفًا، ما رأت عيني بـ العراق رجلًا اجتمعت فيه خصال هي فيه، فبارك الله له فيما أعطاه من الحلم والعلم والفهم.

وقال آخر: قام أحمد مقام الأنبياء، وأحمد امتحن بالسراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، كلهم بلاء على الإمام أحمد، ولكن طبعًا المأمون والمعتصم والواثق هم الذين عاملوه بالضراء، أما المتوكل الذي رفع الله به علم أهل السنة ورجع إلى عقيدة أهل السنة، فقد ابتلي الإمام أحمد في عهده بالسراء؛ لما أنعم عليه المتوكل به من الأموال الجزيلة التي رفضها كلها ولم يأخذ منها شيئًا.

وقال بعض السلف: أحمد بن حنبل قرة عين الإسلام.

وسئل أحد العلماء عن الإمام أحمد فقال: أنا أسأل عن أحمد بن حنبل!! إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر.

وقال إسحاق بن راهويه: ما رأى الشافعي مثل أحمد، ولولا أحمد وبذل نفسه لذهب الإسلام.

يريد المحنة.

وقال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

هذه شهادة الشافعي.

وعن المروذي قال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد؛ كان مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر، وكان كثير التواضع حسن الخلق، دائم البشر لين الجانب ليس بفظ، وإذا كان في أمر من الدين وتعرض للدين بحضرة الإمام أحمد كان يغضب في ذات الله عز وجل غضبًا شديدًا، وكان يحتمل أذى الجيران، وكان يجيب الدعوة في الأعراس والختان ويأكل، وربما استعفى من إجابة الدعوة، وكان إذا رأى إناءً من فضة أو منكرًا في الوليمة خرج.

ومرة من المرات واحد من الناس كان عنده وليمة ختان، فدعى أهل العلم فدعى منهم الإمام أحمد، فجاء الإمام أحمد متأخرًا مع صاحبٍ له والناس قد اجتمعوا للطعام، ولما يأكلوا بعد، فقيل للإمام أحمد: إن في البيت آنية من فضة، فنظر إليها، فلما رآها خرج من المنزل، فخرج الضيوف كلهم وراءه، ما بقي في البيت أحد، قال الراوي: ونزل بصاحب البيت أمر عظيم، وأرسل وراء الإمام أحمد يحلف له أنه لم يقصد، وأنه لم يكن يعلم، فلم يرد عليه الإمام أحمد بشيء، يعني: كان الإمام أحمد من القدوة بحيث يتابعه عامة الناس، ولذلك سنعلم عند وفاته ماذا حصل، وفاة الإمام أحمد تبين فعلًا مكانته بين الناس.

وقال إسحاق بن إبراهيم: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك مثل أحمد بن حنبل، ما كان أحد أثبت قلبًا منه وما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.

وكانت وفاة الإمام أحمد في (12) ربيع الأول، في يوم الجمعة، (سنة:254هـ) فرحمه الله عز وجل.

وبالنسبة لجوانب تهم طالب العلم والداعية إلى الله والمسلم عمومًا في حياة الإمام أحمد فنحن نعرض لبعضها الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت