فهرس الكتاب

الصفحة 6474 من 7040

وذكر ابن القيم كلامًا جميلًا نسوقه بنصه لجماله، يقول رحمه الله عن الغناء: فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكرًا منه وغرورا، وأوحى عليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟! ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس ففعل فيها أعظم ما يفعله حمي الكئوس فلغير الله بل للشيطان، قلوب هنالك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزة وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزًا، فطور يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الديار، فيا رحمة للأرض والسقوف من دك تلك الأقدام، ويا سوأتاه من أشباه الحمير والأنعام! ويا شماتة أعداء الإسلام! فأعداء الإسلام إذا رأوا هذه الطرق الصوفية قالوا: هذا الدين؟! ولذلك في دعايات أعداء الإسلام عن الإسلام يعرضون أفلامًا فيها لقطات من هذه الطرق الصوفية والمذاهب البدعية التي فيها هذا الطرب والأغاني، ويعرضونها على أنها من الدين ويقولون لشعوبهم: هذا هو الإسلام الذي يريد دعاته أن يدعوكم إليه.

يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب من استماع سور القرآن، ولو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما تحرك له ساكن، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجدة، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندة، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زهراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.

فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون! هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن، وهذه الأذواق والمواجيد عند سماع قراءة القرآن المجيد، وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات، ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب، لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصلحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف:50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت