ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا، وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره؛ فكان يستغني عن مخاطبة من سواه، وقد كثرت فراعنة نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، فكان كل واحد منهم يدعي الرياسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره، والصدور عن رأيه والانقياد له، منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لهب، وغيرهم؛ فكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام، وإجابة كل واحد بحياله، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل، عليهم السلام.
ثم قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) فيه أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يمنعه عن شيء حتى يقول له: (ذَرْنِي) ، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء من جهة إظهار القوة؛ يقول الرجل لآخر:"خل بيني وبين فلان"، و"دعني وإياه"من غير أن يكون سبق منه المنع؛ فيريد به إظهار القوة من نفسه: أنه كافيه، وقادر على دفع شره عن نفسه؛ فيكون في قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) دعاء من اللَّه تعالى إياه إلى ألا يتعرض له، ولا يجازيه بصنيعه؛ فإن اللَّه تعالى يكفيكه، ويدفع عنك شره.