وهذا كقوله: {كَلاَّ سيعلمون ثم كلا سيعلمون} [النبأ: 4 ، 5] .
و {كَيف قدّر} في الموضعين متحد المعنى وهو اسم استفهام دال على الحالة التي يبينها متعلِّق {كيف} .
والاستفهام موجه إلى سامع غير معيّن يستفهم المتكلم سامعه استفهاماً عن حالة تقديره ، وهو استفهام مستعمل في التعجيب المشوب بالإِنكار على وجه المجاز المرسل.
و {كيف} في محل نصب على الحال مقدمة على صاحبها لأن لها الصدر وعاملها {قَدَّر} .
وقوله: {ثم نظر ثم عبَس وبَسَر ثم أدبر واستكبر} عطف على {وقدّر} وهي ارتقاء متوالٍ فيما اقتضى التعجيب من حاله والإِنكار عليه.
والنظر هنا: نظر العين ليكون زائداً على ما أفاده {فكَّر وقدَّر} .
والمعنى: نظر في وجوه الحاضرين يستخرج آراءهم في انتحال ما يصفون به القرآن.
و {عبس} : قطَّب وجهه لمَّا استعصى عليه ما يصف به القرآن ولم يجد مغمَزاً مقبولاً.
و {بسَر} : معناه كلَح وجهُه وتغيَّر لونه خوفاً وكمداً حين لم يجد ما يشفي غليله من مطعن في القرآن لا ترده العقول ، قال تعالى: {ووجوه يومئذٍ باسرة تظنّ أن يفعل بها فاقرة} في سورة [القيامة: 24 ، 25] .
والإِدبار: هنا يجوز أن يكون مستعاراً لتغيير التفكير الذي كان يفكره ويقدّره يَأساً من أن يجد ما فكر في انتحاله فانصرف إلى الاستكبار والأنفة من أن يشهد للقرآن بما فيه من كمال اللفظ والمعنى.
ويجوز أن يكون مستعاراً لزيادة إعراضه عن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {ثم أدبر يسعى حكاية عن فرعون} في سورة النازعات (22) .
وصفت أشكاله التي تشكَّل بها لما أجهد نفسه لاستنباط ما يصف به القرآن ، وذلك تهكم بالوليد.