وتصدير الجملة بفعل {ذرني} إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مهتماً ومغتماً مما اختلقه الوليد بن المغيرة ، فاتصاله بقوله: ولربّك فاصبر يزداد وضوحاً.
وتقدم ما في نحو ذَرني وكَذا ، من التهديد والوعيد للمذكور بعد واو المعية ، في تفسير قوله تعالى: {فذَرني ومن يكذّب بهذا الحديث} في سورة القلم (44) .
وجيء بالموصول وصلته في قوله: ومن خلقت وحيداً لإِدماج تسجيل كفران الوليد النعمة في الوعيد والتهديد.
وانتصب {وحيداً} على الحال من {مَن} الموصولة.
والوحيد: المنفرد عن غيره في مكان أو حال مما يدل عليه سياق الكلام ، أو شهرة أو قصة ، وهو فعيل من وحُد من باب كَرُم وعَلِم ، إذا انفرد.
وكان الوليد بن المغيرة يلقب في قريش بالوحيد لتوحده وتفرده باجتماع مزايا له لم تجتمع لغيره من طبقته وهي كثْرةُ الولد وسعة المال ، ومجده ومجد أبيه مِن قبله ، وكان مرجعَ قريش في أمورهم لأنه كان أسنّ من أبي جهل وأبي سفيان ، فلما اشتهر بلقب الوحيد كان هذا الكلام إيماء إلى الوليد بن المغيرة المشتهر به.
وجاء هذا الوصف بعد فعل {خلَقْت ،} ليصرف هذا الوصف عما كان مراداً به فينصرف إلى ما يصلح لأن يقارن فعل {خلقتُ} أي أوجدتُه وحيداً عن المال والبنين والبسطة ، فيغيَّر عن غرض المدح والثناء الذي كانوا يخصونه به ، إلى غرض الافتقار إلى الله الذي هو حالُ كل مخلوق فتكون من قبيل قوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتِكم لا تعلمون شيئاً} [النحل: 78] الآية.
وعطف على ذلك {وجعلتُ له مالاً} عطفَ الخاص على العام.
والممدود: اسم مفعول من مَدَّ الذي بمعنى: أطال ، بأن شُبهت كثرة المال بسعة مساحة الجسم ، أو من مدّ الذي بمعنى: زَاد في الشْيءِ من مثله ، كما يقال: مَد الوادي النهرَ ، أي مالاً مزيداً في مقداره ما يكتسبه صاحبه من المكاسب.
وكان الوليد من أوسع قريش ثراءً.