والكاهن يصدُق ويكذب وما كذب محمد قط ، فقام آخر فقال: مجنون ، فقال الوليد: لقد عرفنا الجنون فإن المجنون يُخْنَق فما هو بخنقه ولا تَخالُجِه ولا وسوسته ، فقالوا: ساحر ، قال الوليد: لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرهم فما هو بنفثه ولا عَقْده ، وانصرف الوليد إلى بيته فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لكَ يَا با عَبدِ شمس أصَبَأْتَ؟ فقال الوليد: فكَّرت في أمر محمد وإِن أقربَ القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر ، يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فقال ابن إسحاق: فأنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: {ذرني ومن خلقت وحيداً} الآيات.
وعن أبي نصر القشيري أنه قال: قيل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول كفار مكة: أنتَ ساحر فوجد من ذلك غمّاً وحُمَّ فتدثر بثيابه فقال الله تعالى: {قم فأنذر} [المدثر: 2] .
وأيّاما كان فقد وقع الاتفاق على أن هذا القول صدر عن الوليد بن المغيرة وأنه المعنِيُّ بقوله تعالى: {ومن خلقت وحيداً} فإن كان قول الوليد صدَر منه بعد نزول صدْر هذه السورة فجملة {ذرني ومن خلقت وحيداً} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً والمناسبة ظاهرة ، وإن كان قول الوليد هو سبب نزول السورة ، كان متصلاً بقوله:
{ولربّك فاصبر} [المدثر: 7] على أنه تعليل للأمر بالصبر بأن الله يتولى جزاء هذا القائل ، وما بينهما اعتراض ، ويؤيد هذا أن ابتداء الوحي كان في رَمضان وأن فترة الوحي دامت أربعين يوماً على الأصح سواء نزل وحي بين بدء الوحي وفترته مدةَ أيام ، أوْ لم ينزل بعد بدئه شيء ووقعتْ فترته ، فيكون قد أشرف شهر ذي القعدة على الانصرام فتلك مدة اقتراب الموسم فأخذ المشركون في الاستعداد لما يقولونه للوفود إذا استخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم