عرض نوح عليه السلام في المجموعة الأولى عمله وإنذاره بشكل إجمالي، ثم فصل في الجزأين الأولين من المجموعة الثانية ما قاله لقومه تفصيلا، وذلك يعود إلى نقطتين اثنتين: الاستغفار، وتعظيم الله عزّ وجل، والملاحظ أن المعاني التي ذكرها نوح عليه السلام هي المعاني نفسها التي عرفنا الله عزّ وجل بها على ذاته في أوائل سورة البقرة، فدعوى الرسل واحدة، وبعد أن ذكر نوح عليه السلام لله جل جلاله ما فعله إجمالا وتفصيلا يأتي الجزء الثالث من المجموعة الثانية وفيه تفصيل لموقف قومه منه.
تفسير الجزء الثالث من المجموعة الثانية:
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم به من العبادة والتقوى والطاعة، ومن الاستغفار والتعظيم وَاتَّبَعُوا أي: السفلة والأتباع والفقراء مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ أي: الرؤساء وأصحاب الأموال والأولاد إِلَّا خَساراً أي: في الآخرة. قال ابن كثير:(يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه أنهى إليه - وهو العليم الذي لا يعزب عنه شئ - أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، واتبعوا أبناء الدنيا
ممن غفل عن أمر الله ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام)،
وَمَكَرُوا أي: الرؤساء، قال النسفي: ومكرهم احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه، وصدهم عن الميل إليه مَكْراً كُبَّاراً أي: مكرا عظيما بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى،
وَقالُوا أي: الرؤساء للأتباع لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ على العموم أي: لا تتركوا عبادتها، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال ابن كثير:
وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله