هذا بيان لكيفية إِهلاكهم بالريح، أَي: سلط الله تلك الريح وأَرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أَيام متتابعات دون فتور أَو انقطاع حتى قطعت دابرهم واستأصلت شأْفَتهم، أَو أَن تلك الليالي والأَيام كانت نحسات مشئومات عليهم، وقيل إِنها هي أَيام العجوز وإِنما سميت بذلك لأَن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأَهلكتها، وقيل: هي أَيام العجز وهي آخر الشتاءِ فترى وتبصر يا من تتأَتى منك الرؤْية - إِن كنت حاضرًا حينئذ - ترى هؤُلاءِ القوم في تلك الليالي والأيام، أو في مهاب الريح موتى وهلكى، يشبهون ويماثلون أُصول نخل خالية الأَجواف لا شيء فيها؛ لأَن الريح تسلطت عليهم فكانت تدخل أَجوافهم فتصرعها وتخرج أَحشاءَهم، أَو خاوية بمعنى بالية؛ لأَنها إِذا بليت خلت أَجوافها، فشبهوا بعد أَن هلكوا بالنخل الخاوية، وتشبيههم بأَعجاز النخل يشعر بأَنهم كانوا عظامًا في خلْقِهِمْ وأَجسامهم.
8 - {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) } :
أَي فهل ترى وتبصر لَهم من بقية؟ أَو من نفس باقية؟ أَو من بقاء؟!
وذهب قوم إِلى أَن هؤُلاءِ القوم لم يبق من نسلهم أَحد واستدل بهذه الآية على قوله.
9 - {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) } :
أَي وجاءَ فرعون - ذلك الجبار الطاغي - ومن سبقه من الأُمم التي كفرت كثمود وعاد ومن تبعهما من الأَعوان والجنود، وجاءَ أَيضًا أَهل تلك القرى الذين كذَّبوا نبي الله لوطا - عليه السلام - فكفأَ وقلب جبريل - عليه السلام - تلك القرى ومن فيها، وجاء هؤُلاء وأُولئك جميعًا بالفعلة ذات الخطأ الجسيم والإِثم العظيم.
10 - {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) } :
بيّن الله في تلك الآية ذلك الخطأَ الشديد والفعلة الشائنة المنكرة وأَبان عقوبتها، بينها - سبحانه - بأَنها كانت عصيان كل أَمة لرسولها حيث لم ينتهوا عما نهاهم عنه مما كانوا يفعلونه من أَلوان القبائح وضروب الفواحش، فأَنزل الله بهم من العذاب الشديد ما يتوافق ويتناسب مع قبح أَفعالهم وشناعة عصيانهم؛ فأَخذهم أَخذة زائدة شديدة.