مختص بالممكن الموجود وهو حَقيقَة في الذات مجاز فيما عداه ومن هَاهُنَا قال(ثم قيل
للروح لأن نفس الحي فيه)أي مَجَازًا لعلاقة أن نفس الحي وذاته بسببه يحيي به ما دام
الروح باقيًا فيه فحاصل العلاقة المجاورة إن أُريد بالروح النفس الناطقة التي يشير كل أحد
إليها بقوله أنا والحق أن الروح مما [استأثر] الله تَعَالَى بعلمه وغاية علمنا به أنه الذي يحيى
به بدن الْإنْسَان ويموت حين مفارقته عنه قال الله تَعَالَى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)
الآية. (وللقلب) وهو عضو صنوبري قوله (لأنه محل الروح) إشَارَة إلَى العلاقة
وهي كون القلب محل الروح بناء عَلَى أن الروح عبارة عن بخار لطيف منبعث من القلب
وتفيض عليه الْقُوَّة الحيوانية فيسري حاملًا لها في تجاويف الشرايين إلَى أعماق البدن كذا
صرح به في سورة الحجر وهذا قول الأطباء ويسمونه بالروح الحيواني.
قوله: (أو متعلقه) إن قيل إن الروح جوهر مجرد متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف
فإنه يطلق عليه الروح كالنفس وهذا مذهب الفلاسفة ومسلك المتفلسفة والْمُصَنّف كثيرًا ما
أَشَارَ إلَى مذهبهم تبعًا للإمام وقد عرفت أنه مما [استأثر] الله تَعَالَى بعلمه فإطلاق النفس عليه
من قبيل ذكر أحد المجاورين وإرادة الآخر في الأول وذكر المتعلق بفتح اللام وإرادة
المتعلق في الثاني وهذا مجاز عن الْمَجَاز؛ إذ قدم أن النفس مجاز في الروح كما يشعر به
قوله: ثم قيل للروح والْمَجَاز عن الْمَجَاز إنما يصح إذا كان الْمَجَاز الأول مشتهرا حتى
يلتحق بالْحَقيقَة وهنا كَذَلكَ ولو قيل إن النفس حَقيقَة في الروح كما ذهب إليه بعض وإن
لم يلائم كلام الْمُصَنّف لكان الأمر واضحًا.
قوله: (وللدم لأن قوامها به) القوام بكسر القاف ما يقوم به ويبقى والنفس تؤنث
بمعنى الروح وتذكر بمعنى الذات كما نقل عن المصباح لكن الْمُرَاد بالضَّمير في قوامها
الذات لا الروح فالفرق الْمَذْكُور غير تام، فالأولى أن النفس من المؤنث المعنوي بأي معنى
أريد بها فهذا الْمَجَاز من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب.
قوله: (وللماء) إطلاق النفس عَلَى الماء غير مُتَعَارَف في اللغة كما قال ابن الصايغ
في حاشية الكَشَّاف أنه لم يوجد في كتب اللغة والذي فيها النَّفَس بفتحتين انتهى. لكن هذا
لا يضر الْمُصَنّف ولا الكَشَّاف لأنهما في بيان الْمَجَاز اللغوي ولا يضر عدم ثبوته في اللغة
ولذلك قال (لفرط حاجتها إليه) ولو كان مراده بيان ما ثبت في اللغة لما احتاج إلَى ذلك
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أو متعلقة إشَارَة إلَى مذهب الحكيم فإن الروح عند الحكماء غير حالٍّ في البدن وفي
جزء من آخر آية بل متعلقة به تعلق التدبير والتصرف كتعلق الملك بالمدينة وتعلق الرئيس بالسفينة
فعلى هذا يكون إطلاق النفس عَلَى القلب من إطلاق الشيء عَلَى متعلقه وثالثها الدم تسمية المسبب
باسم السبب لأن الدم هُوَ الذي له قوام النفس ورابعها الماء سمي الماء بالنفس لأن النفس تحتاج
إلى الماء فرط احتياج وهذا أَيْضًا من باب إطلاق المسبب عَلَى السبب فإن الماء وإن لم يكن سببًا
لقوام النفس كالدم لكنَّه لفرط احتياج النفس إليه أشبه السبب ولهذا علل وجه الإطلاق فيه بفرط
الاحتياج إليه وفي الدم يكون قوامها به.