(ويخدعون بمعنى يختدعون) بفتح الباء والخاء وتشديد الدال مع الكسر كلاهما عَلَى البناء
للفاعل بمعنى يختدعون أي يخدعون من الافتعال إذا أصله يختدعون فنقلت حركة التاء إلَى
الخاء وأدغمت في الدال لقرب مخرجهما والافتعال هنا متعد كالثلاثي. نقل عن الأساس أنه
يقال خدعه واختدعه إذا احتاله فانخدع فلا يكون النصب بنزع الخافض.
قوله: (ويخدعون ويخادعون عَلَى البناء للمَفْعُول) من الأفعال والإخداع ويخادعون
من المفاعلة كلاهما عَلَى لفظ ما لم يسم فاعله (ونصب أنفسهم بنزع الخافض) أي وما
يخادعون إلا عن أنفسهم والظَّاهر أن المفاعلة حِينَئِذٍ بمعنى الثلاثي.
قوله: (والنفس ذات الشيء وحقيقته) والْمُرَاد بالشيء كل موجود جوهرًا كان أو
عرضًا ذو روح أو جماد وللإشَارَة إلَى ذلك عطف قوله حقيقته عليه ولا وجه للتَّخْصِيص
بالحيوان؛ إذ لكل شيء حَقيقَة وماهية يكون الشيء به هُوَ هُوَ والذات منقول من مؤنث ذو
بمعنى الصاحب لأن الْمَعْنَى القائم بنفسه بالنسبة إلَى ما يقوم به أو إفراده يستحق الصاحبية
والمالكية ولكون التاء للنقل دون التأنيث لم يتحاشوا من إطلاقها عَلَى الباري تَعَالَى ذاته
وجل شأنه، وأما النفس فلا يطلق عليه تَعَالَى إلا مشاكلة تحقيقية أو تقديرية فالتعريف
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
مجرى صاحبه فيعدل في الاسْتعْمَال إليه ويحتذى به في تصرفه مَحْذُوف صاحبه وإن كان طريق
الاسْتعْمَال والعرف ضد مأخذه، أَلَا [تَرَى] إلَى قولك (هَلْ لَكَ إلَى أَنْ تَزَكَّى) في أن تزكى فنظر معه
معنى قولك أخذتك إلَى كذا وأدعوك إليه.
قوله: ونصب أنفسهم بنزع الخافض أي نصبه عَلَى تقدير القراءة عَلَى البناء للمَفْعُول بنزع
الخافض أي يخدعون بأنفسهم قال القاشاني ولما استقام الرَّسُول في حال البقاء بعد الفاء بالوجود
الموهوب الحقاني كانت مخادعته مخادعة الله كما قال الله: (وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكنَّ اللَّهَ رَمَى)
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أن الرذيلة الراسخة في أنفسهم تؤثر في غيرهم سواء كان ذلك
الغير قابلًا لذلك التأثير أو غير قابل كذات اللَّه سبحانه فإن كون الرذيلة الراسخة في النفس والرين
القالب في القلب وبالًا وحجابًا عليه لا غيره أمر بين كالمحسوس المشاهد.
قوله: والنفس ذات الشيء وحقيقته يقال عندي كذا نفسا ثم تفرع عليه معان أخر أحدهما
الروح ويطلق عليه النفس إطلاقًا للمسبب عَلَى السبب لأن النفس ذات الشيء وذات الشيء تتقوم
[بالروح] وثانيها القلب بمعنى الجسم الصنوبري فإن القلب ربما يراد به الجسم الصنوبري وقد يراد به
الروح كما في قَوْله تَعَالَى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) فكما أن القلب بمعنى الجسم
الصنوبري يقال له نفس لأن ذات صاحب القلب لا يكون ذاتًا إلا بالقلب، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْلهم إنما
المرء بأصغريه أي بقلبه ولسانه وأنشد لزهير:
وكم ما ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التَّكَلُّم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
كَذَلكَ القلب بمعنى الروح أَيْضًا نفس لأن النفس أعني ذات الشيء يقوم بالروح وأراد بالقلب
في قوله للقلب وللجسم الصنوبري بقرينة قوله بأنه محل الروح فيكون إطلاق النفس عَلَى الجسم
الصنوبري. من باب إطلاق اسم الحال عَلَى المحل لأن الروح هي النفس.