فجعل ما يكون من ورود الماء أو ترك الورود والتمييل بينهما بمنزلة نفسين، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: {قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] بالجزم، فنزل نفسه عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره منزلة مناظر له.
ومن قرأ {يَخْدَعُونَ} قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] الواحد من (فاعَلَ) من حيث كان أخص به، وكان أليق من (فاعَل) الذي هو لأكثر الأمر أن يكون لفاعلين.
وقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} . معناه أنهم راموا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين، وما خدعوا إلا أنفسهم؛ لأن وبال خداعهم عاد عليهم، وهذا كقولك: قاتل فلان فلانا فما قتل إلا نفسه، أي: رام قتل صاحبه فلم يتمكن وعاد وبال فعله إليه، كذلك المنافقون في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم، لأن الله سبحانه يطلع نبيه - عليه الصلاة والسلام - على أسرارهم ونفاقهم، فيفتضحون في الدنيا، ويستوجبون العقاب في العقبى.
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} . النفس: تستعمل في اللغة على معان: النفس: عين الشيء وذاته. والنفس: بمعنى الروح، يقولون: خرجت نفسه، إذا فارقه الروح. والنفس: بمعنى الدم، يقال: هذا ليس له نفس سائلة، وذلك أنه لما كان قوام البدن بالدم سمي الدم باسم الروح الذي هو النفس، ومنه يقال: نفست المرأة: إذا حاضت.
وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به. وسنذكر معاني النفس بأبلغ من هذا عند قوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42] . إن شاء الله.
وفي قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} تحقيق أن المخادعة وقعت بهم لا بغيرهم، كما تقول: رأيت نفس الشيء ، أخبرت أن الرؤية وقعت عليه لا على مثاله.
وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه. و (الشِّعْر) : العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) كالفطنة والدِّرية، وقالوا: ليت شعري، فحذفوا (التاء) مع الإضافة للكثرة، وقد قالوا: ذهب بعذرتها، [وهو أبو عذرها] وكأن شعرت من الشعار، وهو ما يلي الجسد، وكأن شعرت به، علمت علم حسّ.
قال الفرزدق:
لَبِسْنَ الفِرِنْدَ الخُسْرُوَانِي فَوْقَهُ ... مَشَاعِرَ مِنْ خَزِّ العِرَاقِ المُفَوَّفُ