فإن قال قائل: لم تقل إن نهاية اليوم الآخر تكوير الشمس، لأن الليل والنهار حالان من أحوال الشمس، فإذا كانت الشمس فوق الأرض فهو نهار، وإذا كانت تحت الأرض فهو ليل، فإذا بطلت الشمس فلا ليل ولا نهار، يعلم بهذا أن نهاية أيام الدنيا تكوير الشمس؟
قيل: لو كان هذا هكذا، لكان البعث يقع في الدنيا لأن الشمس تكور على أبصار الناس بعد البعث.
وقد أجمع الناس على أن الموتى لا يردون إلى الدنيا، فبطل بهذا أن يكون نهاية أيام الدنيا تكوير الشمس على أن الدنيا صفة للحياة - كما قلنا - فلا جائز أن يكون الحياة منقطعة بالإطلاق اسم الدنيا باقياً والله أعلم.
(فصل)
إن سأل سائل عن يوم القيامة: هل يكون له آخر؟
قيل: قد يسمي الله هذا اليوم يوم الدين، وهو الحساب والجزاء، فإذا لم يكن الجزاء متقضياً لم يكن يومه متقضياً.
فإن قيل: فما معنى قول الله عز وجل: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} ؟
قيل: لما أجمع الله المسلمين على ما ذكرت لم يجز أن يكون ليوم الدين مقداراً إلا أن يقول قائل: إن له أياماً كل يوم منها خمسون ألف سنة من أيام الدنيا، فيكون ادعى ما لا يعرف يوم القيامة، ولا يقوم له عليه دليل.
وإن احتاج إلى بيان ما يقع به الفصل بين الأيام لا يمكن أن يقول: إن لها لياليا، وإن أراد أن يقول غيرها لم يجده.
وإذا كان الأمر على ما وصفت، بأن هذا التقدير إنما هو لعروج الملائكة والروح من الأرض إلى الله جل ثناؤه لأن مفتتح هذه الآية: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} .
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} فيحتمل أن يكون هذا المعنى: أنها تبارك من السماء إلى الأرض ثم تعرج من الأرض إلى السماء الدنيا من يومها، فتنقطع ما لو احتاج الناس إلى قطعة من المسافة لم يقطعوها إلا في ألف سنة مما تعدون، وينزل من عند العرش إلى الأرض ثم يعرج منها إلى السماء من يومها.
ولو احتاج الناس إلى قطع هذا القدر من المسافة لم يقطعوها إلا في خمسين ألف سنة مما تعدون، وليس هذا من تقدير يوم القيامة يسأل، وهو غير متصل بما قبله من هذه السورة أو بعده، ولكنه من صلة قوله: {مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} .
فإنه لما وصف نفسه بذي المعارج بين أن هذه المعارج لملائكتة، فقال: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} .