أعني بهذا إن سائل سأل: أن السماء إذا طويت والشمس إذا كورت أو الكواكب إذا إنتثرت، أو عن الأرض بعد ركوب الناس الصراط وفراغها منهم، ماذا يكون من أمرها بعد ذلك؟ لم يكن له جواب يمكن القطع به، والأولى بالمسؤول أن يقول: كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلّم - للذي سأله عن الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
فإن مثل هذا لا يدرك إلا بخبر ولم يأتنا في هذه الأبواب عن الله جل ثناؤه خبر إلا أن في الجملة يخبرنا بانتقاض الأجسام، فإن أراد الله تعالى أفناها وحبس البقاء عنها، وفعل ذلك بها، وإن غير ذلك فله الخلق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير.
(فصل)
إن سأل سائل عن تفسيره الساعة التي تكرر ذكرها في القرآن: الساعة على وجهين: أحدهما الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا، والآخر الساعة الأولى من ساعات الآخرة، قال الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فهذا على الساعة الآخرة لقوله تعالى: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} .
وكذلك قوله: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} فهو على الساعة الأولى من ساعات الآخرة، وهو حين يبعث من في القبور لقوله تعالى: {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} .
وكذلك قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} .
وهو بمنزلة قوله: «يَوْمَ يْبَعُث النَّاسُ وَيَوْمَ البَعْث» والله أعلم.
(فصل)
وإن سأل سائل: عن اليوم الآخر: ما حده ونهايته؟
قيل له: اليوم الآخر إنما يراد به أيام الدنيا، والدنيا بعث للحياة.
قال الله عز وجل: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ} .
وقال: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} فاليوم الآخر هذا، هو آخر أيام الحياة الدنيا.
فإذا نفخ في الصور وصعق من في الأرض فلم يبق منهم أحد، فيومهم الذي انقضت فيه حياتهم الدنيا هو يومهم الآخر إذا نفخ في الصور نفخة الأحياء فبعثوا فذلك يوم القيامة وما بينهما لا من الدنيا ولا من الآخرة، وهو البرزخ الذي ذكره الله - عز وجل - وجل في كتابه فقال: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}