والكافر قد يقال إنه يعيش فِي سلام مع نفسه ، فقد رفض الإيمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك ، ولكن الذي فقد السلام مع ملكاته هو المنافق ، أنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع نفسه ، فهو يقول بلسانه ، ما لا يعتقد قلبه ، يظهر غير ما يبطن ، ويقول غير ما يعتقد ، ويخشى أن يكشفه الناس ، فيعيش فِي خوف عميق ، وهو يعتقد أن ذلك شيء مؤقت سينتهي.
ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له فِي الدنيا ، ثم ينتقل معه إلى الآخرة ، فينقض عليه ، ليقوده إلى النار ، واقرأ قوله تبارك وتعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 20 - 21]
إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم فِي الآخرة ، فالسلام الذي كانوا يتمنونه لم يحققوه لا فِي حياتهم ولا فِي آخرتهم ، فلسان المنافق يشهد عليه ، ويداه تشهدان عليه ، ورجلاه تشهدان عليه ، والجلود تشهد عليه ، فماذا بقي له ؟
بينه وبين ربه تناقض ، وبينه وبين نفسه تناقض ، وبينه وبين مجتمعه تناقض ، وبينه وبين آخرته تناقض. وبينه وبين الكافرين تناقض. يقول لسانه ما ليس فِي قلبه ، وبماذا وصف الحق سبحانه وتعالى المنافقين ؟ قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]