ختم الخليل هذه المقدمة بما بدأه من ملحظ صوتي ليس غير: «بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين، وهو أقصى الحروف ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب، وبدأنا الأبنية بالمضاعف لأنه أخف على اللسان، وأقرب مأخذاً للمتفهم» . ولمّا كانت هذه المقدمة مشتملة على الإفاضة الصوتية الأولى عند العرب، فإننا نشير إلى بعض ملامحها بإيجاز وتحديد:
1 ـ لقد أدرك الخليل بفطرته الصافية، وحسه المتوقد، أهمية الصوت اللغوي في الدراسات اللغوية المتخصصة، فأشار إلى أبعادها من ينابيعها الأولى، فوضع يده على الأصول في انطلاق الأصوات من مخارجها الدقيقة، وأفرغ جهده الدؤوب في التماس التسميات للمسميّات فطبق بها المفصل، وتمكن من استنباط طائفة صالحة من الأسرار الصوتية من هذا الخلال، لذلك فقد كان صحيحاً ما توصل إليه محققا العين أن في المقدمة منه «بواكير معلومات صوتية لم يدركها العلم فيما خلا العربية من اللغات إلا بعد قرون عدة من عصر الخليل» .
فقد استعمل الخليل كلمة (حرف) للدلالة على إرادة (صوت) منها، فكانت الأصوات عنده هي: الحروف الذلق الحروف الشفوية حروف الحلق حروف أقصى الحلق الحروف الصحاح الحروف الصم حروف الجوف حروف اللين حروف مابين عكدة اللسان الحروف اللهوية الحروف الشجرية الحروف الأسلية الحروف النّطعية الحروف اللثوية ... إلخ.
وهو يريد بذلك، أصوات الذلاقة، وأصوات الشفة، وأصوات الحلق، وأصوات أسلة اللسان .... الخ.
ولا يكتفي بهذا حتى يسمي هذه الأصوات بالإضافة إلى مخارجها ومدارجها، ناظراً إلى هيئة المخرج من المدرج، وما يصطدم بها من أجهزة النطق أو يتجاوزها باندفاع الهواء، فيصفها في مثل النحو الآتي: