فمنها ما يخرج من الجوف وليس لها حيّز تنسب إليه سواه، ومنها ما يقع في مدرجة من مدارج اللسان، وما يقع في مدرجة من مدارج الحلق، وما يقع من مدرج اللهاة، وما هي هوائية، أي أنها في الهواء كالألف اللينة والواو والياء.
2 ـ يبتدع الخليل في هذه المقدمة أمراً ذا أهمية قصوى في حياة الأصوات، فيصنع ـ وبدقة متناهية ـ مخططاً شاملاً لمخرج كل صوت، ويقارن بين بعض الأصوات، فيضعها في حيّز متميز عن حيّز الأصوات ألأخرى، ويعطي بعض الخصائص المفرقة لصوت عن صوت، ويعالج إلحاق بعض الأصوات ببعض المخارج دون سواها، فتقف عند العلة والسبب، وتستظهر العلة التي تخفى ولا تكاد تبين، يقول الخليل في هذا التخطيط:
«فاقصى الحروف كلها العين ثم الحاء، ولولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين.
ثم الهاء، ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من
الحاء، فهذه ثلاثة أحرف في حيّز واحد بعضها أرفع من بعض، ثم الخاء والغين في حيّز واحد كلها حلقية.
ثم القاف والكاف لهويتان، والكاف أرفع.
ثم الجيم والشين والضاد في حيّز واحد.
ثم الصاد والسين والزاء في حيّز واحد.
ثم الطاء والدال والتاء في حيّز احد.
ثم الظاء والذال والثاء في حيّز واحد.
ثم الراء واللام والنون في حيّز واحد.
ثم الفاء والباء والميم في حيّز واحد.
ثم الألف والواو والياء في حيّز واحد.
والهمزة في الهواء لم يكن لها حيّز تنسب إليه. وأقف عند الهمزة، فهي مختلف فيها، ففي الوقت الذي لا يوجد لها حيّز عند الخليل، إلا فيما نسبه إليه ابن كيسان فيما سبق، نجد سيبويه يبتدئ بها، ويعتبرها من حروف أقصى الحلق. في حين يعتبرها ابن جني أول الحروف مخرجاً، ويبتدئ بها. بينما يعدّها الخليل هوائية منبعثة من الرئتين، وقد يوافقه ابن الجزري لأنه يعتبرها صوتاً مرققاً، سلس النطق، لا مبالغة في تحقيقه.