واعلم أن"مَنْ"وأخواتها لها لفظ ومعنى ، فلفظها مفرد مذكر ، فإن أريد بها غير ذلك ، فَلَكَ أن تراعي لفظها مَرّة ، ومعناها أخرى ، فتقول: جاء مَنْ قام وقعدوا ، والآية الكريمة كذلك روعي اللفظ أولاً فقيل:"من يقول"، والمعنى ثانياً فِي"آمنا".
وقال ابن عطية: حسن ذلك ؛ لأن الواحد قبل الجمع فِي الرتبة ، ولا يجوز أن يرجع متكلّم من لفظ جمع إلى توحيد.
فلو قلت""ومن الناس من يقومون"وتتكلّم لم يجز."
وفي عبارة ابن عطية نظر ، وذلك لأنّه منه مِنْ مُرَاعاة اللَّفظ بعد مُرَاعاة المعنى ، وذلك جائز ، إلاَّ أن مراعاة اللّفظ أولاً أولى ، يرد عليه قول الشَّاعر: [الخفيف]
لَسْتُ مِمَّنْ يَكُعُّ أَوْ يَسْتَكِينُو...
نَ إِذَاَ كَافَحَتْهُ خَيْلُ الأَعَادِي
وقال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ} [الطلاق: 11] إلى أن قال:"خَالِدين"، فراعى المعنى ، ثم قال:"فَقَدْ أَحْسَنَ الله له رِزْقاً"، فراعى اللفظ بعد مُرَاعاة المعنى ، وكذا راعى المعنى فِي قوله:"أو يستكينون"، ثم راعى اللفظ فِي:"إذا كافحته"، وهذا الحمل جاز فيها من جميع أحوالها ، أعني من كونها موصولة وشرطية ، واستفهامية.
أما إذا كانت موصوفة فقال الشيخ أثير الدين أبو حَيّان:"ليس فِي محفوظي من كلام العرب مُرَاعاة المعنى يعني فتقول: مررت بمن محسنون لك."
و"الآخر"صفة لـ"اليوم"، وهذا مقابل الأوّل ، ومعنى اليوم الآخر: أي عن الأوقات المحدودة.
ويجوز أن يُرَاد به الوقت الَّذي لا حَدّ له ، وهو الأبد القائم الذي لا انقطاع له ، والمراد بالأخر: يوم القيامة.
" وما هم بمؤمنين""ما ": نافية ، ويحتمل أن تكون هي الحِجَازية ، فترفع الاسم وتنصب الخبر ، فيكون"هم"اسمها ، و"بمؤمنين"خبرها ، و"الباء"زائدة تأكيداً.