إيمانًا كلا إيمان) مشابهًا بعدم الإيمان في عدم ترتب النفع (لاعتقادهم التشبيه) بغيره
المستلزم للتجسيم لقول آبائهم لمُوسَى (اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهَة) ولقولهم لمُوسَى عليه
السلام (أَرنَا اللَّهَ جَهْرَةً) الآية. فهذه الآية. أوضح دلالة عَلَى اعتقادهم
التشبيه، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف هناك (واتخاذ الولد) أي لاعتقادهم أنه تَعَالَى اتخذ ولدًا لقوله
تَعَالَى: (وَقَالَت الْيَهُودُ عُزَيْر ابْنُ اللَّه) فإيمانهم باللَّه تَعَالَى مع هذا الاعتقاد
غير مطابق للواقع فهو كلا إيمان هذا بالنسبة إلَى الإيمان باللَّه تَعَالَى، وأما بالنسبة إلَى الإيمان
بالْآخرَة فلقولهم (إن الجنة لا يدخلها غيرهم) كما قال تَعَالَى حكاية عنهم عَلَى سبيل اللف
والنشر المرتب: (وقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا من كان هُودًا أَوْ نَصَارَى)
الآية. ولاعتقادهم أن أهل الجنة يتنعمون باستشمام نسيم الروائح بدون أكل وشرب
(وأن النَّار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة) أي سبعة أيام وأربعون يومًا (أو غيرها) .
قوله: (ويريؤون الْمُؤْمنينَ أنهم آمنوا مثل إيمانهم) من الإراءة بضم الباء والراء أي
يوهمونهم بقولهم آمَنَّا باللَّه أنهم آمنوا باللَّه تَعَالَى واليوم الآخر مثل إيمان أهل الْإسْلَام مطابقًا
للواقع وكتموا عين اعتقادهم وهذا عين النفاق وهذا مراد الْمُصَنّف وقد عرفت ما فيه من أنه
على هذا التقدير وإن تحقق النفاق لكن لا يظهر وجه قوله إنهم يظنون أنهم مخلصون فيه.
قوله: (وبيان لنضاعف خبثهم وإفراطهم في كفرهم) عطف عَلَى قوله وإيذان ومتعلق
بالحكاية لا بالمحكي أي أن التَّخْصِيص الْمَذْكُور فعل الله بأن يكون المُنَافقُونَ ادعوا الإيمان
بجميع المعتقدات لكن الله تَعَالَى حكى عنهم ادعاء الإيمان بهما واختصت الحكاية بهما
للإيذان الْمَذْكُور ولبيان تضاعف خبثهم الخ. وهذا هُوَ الوجه الرابع من الْوُجُوه الأربعة
فالوجهان الأولان مبنيان عَلَى كون التَّخْصِيص بالذكر فعل الْمُنَافقينَ وهو الْمُرَاد بقولهم
وهذان بالنظر إلَى المحكي والوجهان الأخيران مبنيان عَلَى كون التَّخْصِيص فعل الله تَعَالَى
وهو الْمُرَاد بقولهم والأخيران بالنظر إلَى الحكاية ومن هذا أطلق الْمُصَنّف الاخْتصَاص في
قوله: واخْتصَاص الإيمان باللَّه الخ. ليكون متضمنًا لكونه بالنظر إلَى المحكي وإلى الحكاية
والْقَوْل بأن الوجه الأخير يجوز تعلقه بالمحكي أيضًا بعيد جدًا ثم الفرق بين هذا الوجه
والوجه الثالث هُوَ أن في الوجه الثالث تعرضًا لكونهم منافقين فيما يظنون أنهم مخلصون
وأن إيمانهم بهما كلا إيمان وبينه بقوله لاعتقادهم الخ. وإراءة الْمُؤْمنينَ بأن إيمانهم مثل
إيمانهم بخلاف الوجه الرابع فإنه لم يتعرض لشيء من ذلك صريحًا فيه وما ذكر في الوجه
الرابع لم يعتبر في الثالث، فلا وجه للإشكال بأنه ليس بينه وبين الثالث كثير فرق فإن مآل
كل منهما إثبات خبث لهم في مرتبة معتقدهم فإن اتحاد المآل لا يوجب نفي كثير الفرق
على أن اتحاد المآل في حيز المنع والتضاعف والإفراط الزّيَادَة والزّيَادَة في الكفر بانضمام
المعاصي إليه لا في نفسه إلا عَلَى الْقَوْل بأن التصديق يقبل الزّيَادَة والنقصان فإن الكفر وهو