قوله: (أو للعهد والمعهود هم الَّذينَ كَفَرُوا) أخَّره للإشَارَة إلَى ضعفه فإن كونه للعهد بناء
على كون الْمُرَاد بالْكُفَّار المختوم عَلَى قُلُوبهمْ الْكَافرينَ مُطْلَقًا سواء كانوا مجاهرين أو منافقين
وقد سبق منه أن الْمُرَاد منهم الَّذينَ محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا وهو الْمُخْتَار عنده وما سيأتي
بيانه فاحتمال آخر مرجوح وتوجيه فَائدَة الخبر حِينَئِذٍ بأن يقال ومن الْكُفَّار النَّاس المعهودون
بالنفاق للتنبيه عَلَى أن المتصف بهذه الصفات يتعجب كونه من الْكُفَّار؛ إذ هذه الصفات تنافي
كونهم كفارًا بل يظن أنهم خارجون من مرتبة مطلق الْكُفَّار إلَى مرتبة أغلظ وأشنع منه وهذا إن
تم يكون شاهدًا عَلَى ما قلنا في توجيه قَوْلُه تَعَالَى: (من الْمُؤْمنينَ رجال)
الآية. لكن فيه نوع كدر ولذا أخَّره وبعض الْوُجُوه السابقة هناك تجري هنا فتذكر.
قوله: (ومن موصولة) جعل من مَوْصُوفة مع الجنس وموصولة مع العهد للمناسبة
والاسْتعْمَال أما المناسبة فلأن الجنس لا تعيين فيه فيناسبه أن يعبر عن بعضه بما هُوَ نكرة
والمعهود معين فيناسب أن يعبر عن بعضه بما هُوَ معرفة، فلا وجه للإشكال بأنه لا وجه لهذا
التَّخْصِيص لجواز أن يكون موصولة عَلَى تقدير الجنس ومَوْصُوفة عَلَى تقدير العهد لأنه أمر
خطابي يكتفي فيه بالظن ولا يطلب فيه اليقين والمناسبة الْمَذْكُورة كافية في إفادة ذلك
والبحث في مثل هذا قليل الجدوى، وأما الاسْتعْمَال فكما في قَوْله تَعَالَى:(من الْمُؤْمنينَ
رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه)حيث عبر عن البعض بالنكرة حين
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
المصممين بل يفيد تميزهم عنهم بما اتصفوا به وإليه الإشَارَة بقوله وكون الْمُنَافقينَ نوعًا من نوعي
هذا الجنس مغايرًا للنوع الآخر بزيادة زادوها عَلَى الكفر الجامع بَيْنَهُمَا من الخديعة والاسْتهْزَاء لا
يخرجهم من أن يكُونُوا بعضًا من الجنس فإن الأجناس إنما تنوعت لمغايرات وقت بين بعضها
وبعض وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية ثم قال رحمه الله ثم
إني عثرت بعد هذا التقرير عَلَى كلام من جانب الإمام أفضل المتأخّرين القاضي ناصر الدين
البيضاوي تغمده الله برضوانه بما يشد عضده قال واللام فيه للجنس ومن مَوْصُوفة إلَى آخر ما ذكره
رحمه الله في تفسيره هذا في بيان معنى هذه الآية. فمبنى الْجَوَاب عَلَى أن القسمة دائرة بين
الْمُؤْمنينَ الخلص وبين الْكَافرينَ المصممين عَلَى الكفر ومن الفريق الثاني المُنَافقُونَ فهذا كان يقال
الْمُؤْمنُونَ الخلص كذا والمصممون عَلَى الكفر كذا ومن المصممين عَلَى الكفر من يقول كذا
فالمُنَافقُونَ قسم من الفريق الثاني وقسمه الآخر سكوت عنها في الآية. وهو المصممون عَلَى الكفر
المظهرون كفرهم غير زائدين عليه ما زاده المُنَافقُونَ فهو كما يقال الجسم النامي إما غير حيوان أو
حيوان ومن الحيوان هُوَ ناطق وهذا الذي ذكرناه من ملخص كلام صاحب الكَشَّاف والقاضي في
هذا المقام فبقي أن قوله فإنهم من حيث إنهم صمموا عَلَى النفاق دخلوا في عداد الْكُفَّار المختوم
على قلوبهم ينافي قوله وثنى بأضدادهم الَّذينَ محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا لأن الْمُنَافقينَ غير
داخلين في سلك ما حضي الكفر ظاهرًا وباطنًا إن إظهار الكفر معتبر في مفهوم الْمَذْكُورين ثانيًا
على ما فسره هُوَ وصاحب الكَشَّاف فيكون مثل أن يقال الجسم النامي إما غير حيوان أو حيوان
صاهل ومن الحيوان الصاهل من هُوَ حيوان ناطق وهذا كما ترى لا صحة فيه وفيه الحيثية الذي
ذكره لا يجديه نفعًا لأن هذا كان يقال في المثال الْمَذْكُور والحيوان الناطق من حيث إنه حيوان
داخل في الحيوان الصاهل، ولا يخفى ما فيه من ركاكة الْمَعْنَى.