والذي نفهمه ، هو أنه متى اطرد الحذف - كقولهم - فالسياق حتماً مستغنٍ عن المحذوف ، ولا وجه إذن لتقدير الحرف ثم تأويل حذفه.
لأن السياق متى أعطى المعنى المراد ، مستغنياً عن هذا الحرف أو عن غيره ، كان ذكره من الفضول أو الحشو الذي يتنزه عن الكلام البليغ ، فضلاً عن البيان المعجز. وأراهم فِي تقدير حرف نفي محذوف ، حملوا"تفتأ"على:"ما زال"أْمَّ الباب من أفعال الاستمرار. وقد نلحظ أن"زال"لا تكون فعل استمرار إلا منفية ، ومضارعها: ما يزال فإذا لم يسبقها حرف نفي فهي تامة بمعنى الزوال
نقيض البقاء ، ومضارعها: يزول واستعمالها تامة ، كثير فِي العربية. وهي تتصرف فيه: فعلاً ومصدراً واسم فاعل ومفعولٍ وزمانٍ ومكان ...
على حين تفيد"فتئ"معنى الاستمرار أصالة مستغنية عن حرف النفي. ولا تأتي تامة فِي العربية ، فيما أذكر. وقلما تتصرف فيها إلا بالفعل ماضياً ومضارعاً: فتئ يفتأ. ولا ينفك عنهما معنى الاستمرار.
وأما ما جوزوا فيه الحذف بغير اطراد ، فذكر ابن هشام فِي (المغني) أنه قيل به فِي آية: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} على تقدير: لئلا تضلوا. ثم أضاف:"وقيل: المحذوف مضاف ، أي: كراهةَ أن تضلوا"
والآية من آيات الأحكام فِي تشريع المواريث. وسياقها مستغن تماماً عن تقدير حرف محذوف لم يجد البيان القرآني حاجة إلى ذكره. إذ لا يخطر على البال ، إيهامُ أن يكون المعنى: يبين الله لكم لتضلوا! وإنما يبين الله لنا ما نتقي به الضلال.