ومتى أعطى السياقٌ المعنى المراد مستغنياً عن الحرف الذي قدروه محذوفاً ، فذِكْرُ المحذوف الذي لا حاجة إليه ، يأباه البيان العالي. إذ لو كان الحذف مما يوقع فِي شبهة إيهام ، لاقتضى المقام وجوب ذكره دفعاً لأي وَهْم. ولعله مراد"ابن جني"فِي (باب فِي أن المحذوف إذ دلت الدلالة عليه كان فِي حكم الملفوظ به) إذ استهل الباب قبله (في الاستغناء عن الشيء بالشيء) بقول سيبويه:"أعلم أن العرب قد تستغني بالشيء عن الشيء حتى يصير المستغني عنه مُسقَطاَ من كلامهم".
ونتدبر آية الإفطار والفدية فِي تشريع أحكام الصيام:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة 183 ، 184.
والكلام فيها يطول: فالحذف فيها ليس مما يطرد على قواعد النحاة ، وإنما هو مما يجوز ولا يطرد.
وقد اختلف علماء الأحكام والمفسرون فِي القول بنسخها أو إحكامها ، وفي تأويلها على القولين:
منهم من قال إنها منسوخة ، والقول بنسخها هو أول ما أورده"الطبري"من الأقوال فِي تفسيرها:
"قال بعضهم ، كان ذلك فِي أوَّل ما فُرض الصوم ، وكان من أطاقه من المقيمين - غير المسافرين - صامه إن شاء ، وإن شاء أفطره وافتدى فأطعم لكل يوم أفطره مسكيناً ، حتى نُسخ ذلك ، فلم تنزل الرخصة إلا للمريض والمسافر"
يعني النسخ يقوله تعالى فِي الآية بعدها:
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 185.