فإن قلتم: فترتيبُ الأحكام في هذه الآية يقتضي أن المُخْتَلِعَةَ يلحقها الطلاقُ؛ لأن الله سبحانه رتَّبَ بالفاء التي للترتيب الإمساكَ والتسريحَ على الطلاق، ورتَّب الافتداءَ على الطلاق، ورتب الطلاقَ على الافتداء، فقال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] .
قلت: ما فهمتموه واستنبطتموه قد قالَ به قومٌ من أهل العلم، منهم أبو حنيفةَ والثوريُّ - رحمهما الله تعالى - ، واستدلوا بآثار ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تقومُ بمثلها حجَّةٌ.
وقال قومٌ: لا يلحقها طلاق، كما لا يلحقها إيلاءٌ ولا ظهار، ولا ترث، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، واحتجوا بما رواه عطاءٌ عن ابن عباس وابن الزبير: أنهما قالا في المختلعة: لا يلزمها طلاق؛ لأنه طلاقُ ما لا يملك، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور.
فإن قلتم: فهذا الترتيبُ يقتضي أن المفاداةَ الواقعةَ بين الطلقتين لا تُحرِّم، ولا تجعل ثالثة؛ لأن الله سبحانه يقول: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] ، ولم يحرمها بالافتداء.
قلنا: ما فهمتموه قد قال به - أيضًا - قومٌ من أهل العلم؛ كأحمدَ وداودَ، والشافعيِّ في أحد قوليه، وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - .
فعن إبراهيمَ بنِ سعدٍ بنِ أبي وقاص: أن رجلًا سألَ ابنَ عباس عن رجلٍ طلَّق امرأتَه طلقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، لِينكحْها، ليس الخُلْعُ بطلاق، ذكرَ الله سبحانه وتعالى الطلاقَ في أولِ الآيةِ وآخرِها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلعُ بشيء، ثم قال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ} [البقرة: 229] ، ثم قرأ: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: 230] .
قالوا: ولأنه لو كان طلاقًا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثًا، وكان قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} بعد ذلك رابعًا دالًا على الطلاق الرابع، فيكون التحريمُ متعلقًا بأربع تطليقات.
واستدلوا بما رواه أبو داود والترمذي: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ حين اختلعتْ أن تعتدَّ بحيضة، ولو كان طلاقًا لاعتدَّتْ بثلاثة أقراء.