وقال الترمذيُّ: وقد قالَ بعضُ أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: عدةُ المُخْتلعةِ حيضةٌ، ولو كانَ طلاقًا لما اكتفي فيه بحيضة كسائر المطلقات، وكأنهم شبهوه بالإقالة وفسخِ العقود.
وقال قوم: الخُلع طلاقٌ يُحْسَبُ من الثلاث، ولا يملك فيه الرجعة.
وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ، وأظنهُ الجديدَ من قوليه، ويروى عن عليٍّ وعثمانَ وابنِ مسعودِ - رضي الله تعالى عنهم - .
وقال أبو ثور: إن كان بلفظ الطلاقِ، فهو طلاق، وإن كان بلفظ المفاداة، فهو فسخ.
وأجابوا عن الحديث بأنه مُرْسَلٌ ومضطربٌ، فإنه يروى أنَّه جعل عدَّتها حيضةً ونصفًا.
وأما الجوابُ عن الآية، فسهل.
* وتخصيصُ اللهِ - سبحانَه - تحريم الأخذِ وحِلَّه بما آتيناهنَّ يحتمل أن يكون للتقييد، ويحتمل أن يكون للتعريف، وإنما ذكر على غالب الحال في الافتداء.
وقد اختلف أهل العلم في ذلك.
-فقال عطاءٌ وطاوسٌ والزهريُّ وأحمدُ وإسحاقُ والأوزاعيُّ: لا يجوز الخلع بأكثرَ من المهرِ المسمى، لتخصيص الأخذِ بالذي آتيناهُنَّ في
المواضع كلِّها، ولما روي أن امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ كانت تبغضُه، وكان هو يحبُّها، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"أَتّرُدّينَ عليه حَديقَتَهُ؟"، قالت: نعم وزيادة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أما الزِّيادَةُ، فَلا".
-وقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ والثوريُّ وأبو ثورٍ وأكثرُ أهل العلم: يجوزُ الخُلع بأكثرَ من المَهْرِ المُسَمَّى؛ لقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيْمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] ، ولما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّه قال: كانتْ أختي تحتَ رجل من الأنصار، تزوجها على حديقةٍ، وكان بينهما كلامٌ، فارتفعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال:"تَرُدِّين عليهِ حَديقتَهُ ويُطَلِّقُكِ؟"قالت: نعم، وأزيده، قال:"رُدِّي عليه حديقته وزيديهِ".
ولما رُوي أنَّه اختلعَتْ رُبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ ناشِزةً بما تملكه، فأجازه عثمان - رضي الله تعالى عنه - بما دون عِقاصِها.
وحكي عن الشعبيِّ أنَّه إنما يجوز الافتداءُ ببعضِ المَهْر؛ لكون الباقي عوضَ الاستمتاع، وكأنه - والله أعلم - تمسَّكَ بقوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] فعلق الذهاب بالبعض.
فإن قلتم: فما التسريحُ بالإحسان؟