وأما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول ، وقد يُقَال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يُشعر بتغاير الغِشَاوتين ، وهو أنَّ الغشاوة على السَّمع غير الغِشَاوة على البَصَرِ ، كما تقدم ذلك فِي الختمين.
وقرئ: غِشَاوة بالكسر والنصب ، وبالفتح والنصب وبالضَّم والرفع ، وبالكسر والرفع - و"غشوة"بالفتح والرفع والنصب - و"غشاوة"بالعين المهملة ، والرفع من العَشَا.
فأما النصب ففيه ثلاثة أوجه:
الأول: على إضمار فعل لائق ، أي: وجعل على أبصارهم غِشَاوة ، وقد صرح بهذا العامل فِي قوله تعالى: {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] .
والثاني: الانتصاب على إسقاط حرف الجر ، ويكون"على أَبْصَارهم"معطوفاً على ما قبله ، والتقدير: ختم الله على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم بغشاوة ، ثم حذف الجر ، فانتصب ما بعده ؛ كقوله: [الوافر]
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تُعُوجُوا...
كَلاَمُكُم عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ
أي:
تمرون بالدِّيَار ، ولكنه غير مقيس.
والثالث: أن يكون"غشاوة"اسماً وضع موضع المصدر الملاقي لـ"خَتَمَ"فِي المعنى ؛ لأن الخَتْمَ والتغشية يشتركان فِي معنى السّتر ، فكأنه قيل:"وختم التغشية"على سبيل التأكيد ، فهو من باب"قعدت جلوساً"، وتكون"قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة".
وقال الفَارِسِيّ: قراءة الرفع الأولى ، لأن النَّصب إما أن تحمله على فعل يدلّ عليه"ختم"، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة ، فهذا الكلام من باب: [الكامل]
يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا...
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
وقوله: [الرجز]
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً...
حتَّى شَتَتْ هَمَّالَةٌ عَيْنَاهَا
ولا تكاد تجد هذا الاستعمال فِي حالة سَعَةٍ ، ولا اختيار.