فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهيات الأزلية والأعيان الثابة ورأى فيها من استعد للخير وطلبه بلسان استعداه ومن استعد للشر وطلبه كذلك أفاض على كل بمقتضى حكمته ما استعد له وأعطاه ما طلبه منه ثم كلفه ورغبه ورهبه إتماماً للنعمة وإظهاراً للحجة إذ لو عذبه وأظهر فيه صفة قهره قبل أن ينذره لربما قال: {لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزَى} [طه: 134] فالتعذيب وإن لم يكن فيه نفع له سبحانه بالمعنى المألوف لكنه من آثار القهر ووقوع فريق فِي طريق القهر ضروري فِي حكمته تعالة وكل ما تقتضيه حكمته تعالى وكماله حسن ، وإن شئت فقل: إن صفتي اللطف والقهر من مستتبعان ذاته التي هي فِي غاية لاكمال ولهما متعلقات فِي نفس الأمر مستعدة لهما فِي الأزل استعداداً غير مجعول.
وقد علم سبحانه فِي الأزل التعلقات والمتعلقات فظهرت طبق ما علم ولو لم تظهر كذلك لزم انقلاب الحقائق وهو محال.
فالإيمان والكفر فِي الحقيقة ليسا سبباً حقيقاً وعلة تامة للتنعيم والتعذيب وإنما هما علامتان هلما دعت إليهما الحكمة والرحمة.