وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] فقد تقدم شرف النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام, وأنه كان أملك الخلق لإربه, وفي أمّته عجائب في حفظ الفروج ومجانبة الزّنا كما يروى عن مَن حُصِر في بيت وأُغلق عليه ودُعي إلى الفاحشة فمنهم من ألقى نفسه من أعالي البيت فسَلِم, ومنهم من دخل الخلاء وتلطَّخ بالعَذرة وخرج في زيّ مجنون, وأمثال هذه الأمور كما سيأتي في قصّة يوسف عليه الصلاة والسلام, كل ذلك حفظاً للفروج وخوفاً من الله تعالى عن تعدِّي حدوده واللائمة يوم القيامة, وتقدّم الكلام في مراعاة العهود والوفاء بها والمحافظة على القيام بها.
وأما المحافظة على الصلوات فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - من المحافظة عليها في أوقاتها من الغاية, حتى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبطأ ليلة فلم يخرج إليهم حتى ذهب ما شاء الله من الليل فقالوا: أبطأت عنّا يا رسول الله, فقال: «أبشروا فإنه ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم» ولم يكن يومئذ يُصلَّى بغير المدينة, ولهم اختصاص الانتظار للصلاة بعد الصلاة, والمراعاة للجماعات والمشي إليها في الظلمات, حتى إنّ في هذه الأمّة من ذُكِر أنه لم يفته صلاة في جماعة إلا مرّة فصلى سبعاً وعشرين صلاة لما بلغه أن صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الواحد سبعاً وعشرين ضعفاً والحكاية معروفة, وفي إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلوات يَختصم الملأ الأعلى كما جاء في الحديث المشهور, فأولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون, وهذا الميراث إنما هو أنّ هذه الصلوات عرضت على من كان قبلهم فأضاعوها, كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم 59] فأوْرَثَ الله هذه الأمّة مكانهم الذي وعدهم على حفظ الصلوات لو حفظوها والله تعالى أعلم؛ واستثنى الله تعالى في سورة (سأل سائل) المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ممّن ذمّهم بالهَلع والجزع, وجعل الدائمين عليها المحافظين في جنّات مكرمين.
وأما العشرة التي ذكرها طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما من الفطرة التي أوتيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد أوتيها محمد - صلى الله عليه وسلم - وزيادة عليها ففعلها هو - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته على الوجه الكامل والحال الفاضل.