وقد ذكرت الروايات أن هذه الآيات نزلت بعد فترة قصيرة من الوحي، بعد نزوله الأول على النبي صلّى الله عليه وسلّم في غار حراء. ومما جاء في حديث مروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يحدث عن فترة الوحي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثوت منه خوفا وجئت أهلي فقلت زملوني زملوني، وفي رواية دثروني دثروني، فدثروني فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. ثم تتابع الوحي وهناك روايات تذكر أنها أول ما أنزل أو أنها ثاني أو ثالث أو رابع مجموعة نزلت.
ولما كانت الآيات التالية لها قد احتوت حكاية أقوال بعض المكذبين ومواقفهم، ولا يمكن أن يكون هذا إلّا بعد نزول جملة من القرآن وسير النبي صلّى الله عليه وسلّم في الدعوة شوطا، فيكون ترتيب السورة المتقدم بسبب رواية تبكير نزول آياتها الأولى هذه.
والرواية التي تذكر أولية نزولها على غيرها وردت في حديث رواه البخاري
ومسلم عن يحيى قال: «سألت أبا سلمة أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قلت: أنبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ! فقال: لا أخبرك إلّا بما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض. فأتيت خديجة فقلت دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا ففعلوا وأنزل عليّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) » [سورة المدثر: 1 - 3] .
ومع ذلك فليس في الكلام النبوي ما يساعد على الجزم بأولية الآيات. ويظل حديث أولية آيات سورة العلق الأولى أقوى.