وإنما حصلت الفتنة من ذكر عددهم في الآية السابقة.
فقوله: {وما جعلنا عدتهم} تقديره: وما جعلنا ذكر عدتهم إلاّ فتنة ، ولاستيقان الذين أوتوا الكتاب ، وازدياد الذين آمنوا إيماناً ، واضطراب الذين في قلوبهم مرض فيظهر ضلال الضالين واهتداء المهتدين.
فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا اقتضت ذلك الجعل يعلمها الله.
والاستثناء مفرغ لمفعول ثان لفعل {جعلنا} تقديره جعلنا عدتهم فتنة لا غير ، ولما كانت الفتنة حالاً من أحوال الذين كفروا لم تكن مراداً منها ذاتها بل عروضها للذين كفروا فكانت حالاً لهم.
والتقدير: ما جعلنا ذكر عدتهم لعلة وغرض إلاّ لغرض فتنة الذين كفروا ؛ فانتصب {فتنة} على أنه مفعول ثان لفعل {جعلنا} على الاستثناء المفرغ ، وهو قصر قلب للردّ على الذين كفروا إذ اعتقدوا أن عدتهم أمر هيّن.
وقوله: {ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب} الخ.
علة ثانية لفعل {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة} .
ولولا أن كلمة {فتنة} منصوبة على المفعول به لِفعل {جعلنا} .
لكان حق {ليستيقن} أن يعطف على {فتنة} ولكنه جاء في نظم الكلام متعلقاً بفعل: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة.
ويجوز أن يكون للذين كفروا متعلقاً بفعل {جعلنا وب فتنة} ، على وجه التنازع فيه ، أي ما جعلنا عدتهم للذين كفروا إلاّ فتنةً لهم إذ لم يحصل لهم من ذكرها إلاّ فساد التأويل ، وتلك العِدة مجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد.
والاستيقان: قوة اليقين ، فالسين والتاء فيه للمبالغة.
والمعنى: ليستيقنوا صدق القرآن حيث يجدون هذا العدد مصدقاً لما في كتبهم.
والمراد بـ {الذين أُوتوا الكتاب} اليهود حين يبلغهم ما في القرآن من مثل ما في كتبهم أو أخبارهم.